فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
5/ أبعاد الإيمان حيث يكون الحق يكون الايمان. فالايمان يكون بكل الحق، إذ مادام الايمان هو التسليم، للحق، فانه لا يكون لهذا التسليم أي معيار آخر غير الحق. ولعلّ الكلمة القرآنية التالية تبين هذه الحقيقة: وهي «الايمان بآيات الله» في مقابل «الكفر بآيات الله» لأن القرآن الكريم يعتبر كل حقيقة هي آية من آيات الله. فالايمان بها يعني الايمان بكل حقيقة. وحين يُعبر القرآن بـ(آيات الله) بدل الحق، فانه يسلب من غير الله سبحانه صفة الذاتية. لكي لا يوهم التعبير، معنى من معاني الشرك بالله. قال الله تعالى: «وما تأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين، فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم انباؤا ما كانوا به يستهزؤون»285. في هذه الآية نجد الصلة بين آيات الله وبين الحق. أما آيات الله فانها حسب القرآن كل الخليقة: قال الله تعالى: «ألم تر ان الله خلق السموات والارض بالحق»286. «هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه»287. وهكذا يتدرّج الايمان عبر الحقائق التالية حتى يكتمل: أولاً: الايمان بالله سبحانه الخالق المدبر. ثانياً: الايمان بالحقائق المشهودة باعتبارها آيات الله. فالله سبحانه «الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى»288. «وخلق كل شيء فقدّره تقديراً»289. ومن الحقائق المشهودة: البشر ـ بكل اصنافهم ـ لأنهم جميعاً خَلقُ الله قال الله تعالى: «يا أيها الناس أنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم»290. «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء»291. هكذا كان من أركان الايمان.. الاعتراف بخلق السموات والارض (وانها حقائق واقعة) والاعتراف بخلق البشر كل اولئك باعتبارها تجلّيات لأسماء الله سبحانه. ثالثاً: الايمان بسنن الله الحاكمة في الخلق، وانها ثابتة ولا تتطور، فكل هذه الأنظمة الطبيعية والانسانية التي تحيط بنا كلها سنن لا بدّ ان نعترف بها ونتكيف معها. قال الله تعالى: «سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلاً»292. «سنّة من قد ارسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا»293. وقال تعالى: وهو يبين جانباً من سننه في خلق السموات والارض «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور»294. وقال سبحانه وهو يذكّرنا بأنه قد اجرى هذه السنن في العالم المحيط بنا وسخّرها لنا.. «إن ربكم الله الّذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين»295. رابعاً: الايمان بأسماء الله الحسنى التي هي عناوين بارزة لسننه وخطوط عريضة لحركة العالم ونشاط الطبيعة، وفاعلية البشر. فالله عزيز حكيم. والعالم آية عزته وآية حكمته والله رحمنُ رحيم، ونعمه في الحياة شهادة رحمته الواسعة الدائمة، والله تواب غفور، وحركة الانسان نحو الاصلاح دليل توبة الله وغفرانه. وهكذا سائر اسماء الله تتجلى في الطبيعة وفي الانسان296. خامساً: الايمان برسالات الله جميعاً. والتي هي الحبل المتصل بين الله وخلقه. ومذكرات بنعمه وبآياته ومنهاهج لحياة البشر وسبل السلام والصراط المستقيم الى رضوانه وجنانه. فاذا كان الايمان بالحق هو معيار مواقف الانسان فلا يجوز ان يفرق الانسان بين حق وآخر انطلاقاً من هوى العنصرية أو تعصّب قومي أو تحزب طائفي أو ما اشبه. ومن هنا قال الله تعالى: «فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وان تولّوا فانما هم في شقاق»297. «آمن الرسول بما أنزل اليه من ربّه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله»298. وهذا هو الميثاق الذي اخذه الله على اهل الكتاب (اهل العلم) فقال سبحانه: «وإذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنّه»299. وحين خالف بنو اسرائل هذا الميثاق بين الرب انهم انما كانوا يتبعون اهواءهم لأن الايمان بالحق لا يتجزّا. وقال تعالى: «لقد اخذنا ميثاق بني اسرائيل وارسلنا اليهم رسلاً كلما جاءهم رسول بما لا تهوى انفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون»300. وهكذا اعتبر الايمان بالملائكة الذين وكّلهم الله بالخليقة جزء من الايمان بالحق وقال سبحانه: «قل من كان عدواً لجبريل فانه نزّله على قلبك»301. وبكلمة: التسليم للحق كلّه، ومخالفة هوى النفس، والخروج من زنزانته الضيقة هو القيمة الاسمى التي تفيض منه سائر القيم حسبما نستعرض ذلك آنفأ انشاء الله.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|