فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الاول: القانون الطبيعي
1/ مبادئ القانون الطبيعي

2/ نقد القانون الطبيعي
1/ مبادئ القانون الطبيعي
اذا قلنا القانون الوضعي. فاننا نعني به ذلك القانون الذي وضعه المشرعون (انّى كانوا) لينفذ على شعب معين في زمن معلوم. بينما حين نقول: القانون الطبيعي فاننا نقصد: ذلك القانون الّذي لم يشرعه البشر. وهو فوق قوانين البشر؛ وموجود في طبيعة الاشياء وفي فطرة الانسان وانما ينبغي على الانسان ان يسعى لاكتشافه ليطبق قوانينه الموضوعيه عليه.
ما هو هذا القانون الطبيعي وكيف يصبح ملزماً؟ هناك خلاف عريض في ذلك الا انه منذ أقدم العصور ذهب الفلاسفة الى وجود مثل هذا القانون (بالرغم من اختلافهم في طبيعته وفي تفاصيله). فقد بين سقراط وأفلاطون ذلك والمدرسة الرواقية رأت ان سعادة الانسان تتمثّل في اتباع القانون الطبيعي، والعالمي، ولا بد ان تذوب الدول في حكومة عالمية واحدة تابعة لذلك القانون. حيث يكون كل فرد مواطناً لها. اما سيسرون، الفقيه القانوني في الامبراطورية الرومانية، فقد اعتمد على القانون، والعدالة الطبيعية، واعتقد انه ذلك القانون الفطري في كل مكان وفي كل زمان. وان الذي يتمرّد عليه، فانما يتهرّب من نفسه. وانما تحترم القوانين الوضعية إذا تطابقت مع ذلك القانون الطبيعي311.
وفي وحي الديانة المسيحية اعتقد توماس داكن ـ الفيلسوف المسيحي ـ على ثلاثة مصادر للقانون، الله والطبيعة والانسان.
وهذا شأن كثير من الفلاسفة المسلمين. حيث اعتبروا العقل مصدراً اعلى للتشريع لأنه يكتشف تلك القوانين العليا الموجودة في الطبيعة 312.
وهكذا قسّموا الانظمة الى نوعين، قوانين طبع، وقوانين وضع، والقسم الاول لا يتبدل باختلاف الأزمنة والامكنة، بينما القسم الثاني الذي ينشأ من انفاق طائفة من الناس، يختلف حسب الظروف وهي الاعراف والرسوم313.
وفي القرون الأخيرة: انتشر بين الفلاسفة، الرأي القائل بالقوانين، الطبيعية ولكن بفارقين هامين:
اولاً: انهم زعموا ان مصدر القانون الطبيعي هو العقل البشري، وليس الله سبحانه، نجد هذا القول مثلاً عند (يوفندرف) الفيلسوف الألماني و(دكارت) الفيلسوف الفرنسي.
ثانياً: ان غاية هذا القانون حماية حقوق الانسان (الفردية منها بالذات).
حسبما يقول (جون لوك) الفيلسوف البريطاني، حين زعم ان القانون الطبيعي يفرض على الجميع احترام ثلاثة قيم الملكية، الحياة، الحرية.
وهكذا انتشر مفهوم الحق الطبيعي قبيل القرن العشرين، الى درجة جعل الجمعية الوطنية في فرنسا، تسجل في ديباجة الاعلان عن حقوق الانسان، ان كل المآسي تنشأ من انتهاك الحقوق الطبيعية. وكرر مراراً القول عن الحق الذي لا يتبدّل باختلاف الزمان314.
والواقع: ان القانون الطبيعي لم يكن يعني ذات الحقيقة عند كل القائلين به. بل انه اختلف حسب الخلفيات الفلسفية لكل شخص أو لكل مدرسة.. فالقانون الطبيعي عند أفلاطون نشأ من نظريته في المثل. وعند أرسطو من فكرته العقلانية (ذات التوازن النسبي بين الحس والعقل، وبين المتغّيرات والثوابت) أما عند فلاسفة النصارى، فانه كان انعكاساً لإرادة الخالق سبحانه ـ وكذلك عند بعض الفلاسفة المسلمين، وسائر المتكلمين منهم.
وفي القرون الأخيرة، حدث اكثر من تطور في هذا القانون. ونشير الى بعضها فيما يلي:
أولاً: لأن القانون الطبيعي قد وضع لمجتمع منظّم على اساس قبلي فانه لم يصمد ـ حسب رأي باوند ـ أمام تطور المجتمع واعتماده على اساس التنافس الفردي. وهكذا استفاد رجال القانون من غموض كلمة الحق التي جاءت في تفسير القانون الطبيعي (الحقوق الطبيعية) وطوّروا هذه الكلمة لتعني بعض الصفات الحسنة في الانسان، والتي يمكن ان يصل اليها الانسان بعقله، وهكذا استطاعوا ان يتهّربوا من جمود المبادئ الخالدة التي بشّر بها القانون الطبيعي. واعتقدوا بضرورة تطوير القانون حسب الحاجات المتغيرة التي يكتشفها الانسان بعقله315.
وفي ذات الوقت استطاعت هذه الفكرة ضبط التغيرات المختلفة للمبادئ الخالدة، التي بشّر بها القانون الطبيعي، والّذي ادّى الى ميوعة في وضع وتطبيق القوانين.
وحسب باوند، استخدمت هذه النظرية لتضع ضابطاً ضرورياً يكبح جموح النمو والتطور الذي حرّكته فكرة القانون الطبيعي316.
ثانياً: وعندما واجه المجتمع الجديد في أميركا، والذي كان يعتزّ بحريته، واجه بعض الصعوبة في تطبيق مبادئ دستور أميركا، والتي عبرّت في زعمهم عن مبادئ القانون الطبيعي. لجأ القضاء الى تفسير جديد للقانون الطبيعي (يختلف عن التفسير الأصلي له، والذي يعني المبادئ الخالدة) وقالوا ان المراد من الطبيعة هنا هو طبيعة الحكم، وان طبيعة الحكم في أميركا، تقضي تقليل سلطات الحكم عند الدولة الى اقلّ قدر ممكن. وان هذه الطبيعة هي مادة جميع الدساتير هناك. وحسب باوند: فالمسألة المطروحة امام المحاكم كانت تتعلق، بما اذا كان التشريع المعروض امام المحكمة، يتمشى مع مبادئ القانون الطبيعي، التي هي مواد جميع الدساتير، والتي تكمن في فكرة الحكومة, ذات السلطات المحدودة، التي يقيمها شعب حرّ 317 ويضيف قائلاً: وبلغة القرن الثامن عشر يمكن القول: ان المحاكم الاميركية قد سعت لأن تجعل القانون الوضعي ـ والتشريع على وجه الخصوص ـ يعبر عن طبيعة المؤسسات السياسية الأميركية، فهي قد سعت لتغييره واعطاءه الشكل الملائم بحيث يحقق الشكل الأمثل، للمجتمع السياسي الأميركي318.
ثالثاً: طبيعة الانسان ارادته الحرة والقانون الطبيعي تعبير عن هذه الارادة. وهذا أعظم مبدأ في المبادئ الخالدة، هكذا تطور القانون الطبيعي ـ مرة أخرى ـ الى ما يسميه (باوند) بالنظرية الميتافيزيقية والتي يمكن اقامة البرهان عليها واثباتها ويضيف: القانون الطبيعي ما هو الا تحليل نقدي مثالي للقانون الوضعي يمكن من خلاله وبواسطته ضمان هذه الحقوق على كمالها، فالتاريخ بموجب هذه النظرية، قد اظهر لنا فكرة الحرية الفردية وكيف حققت نفسها في المؤسسات والاحكام والمذاهب القانونية319.
والفلاسفة الثلات الذين بلوروا هذه النظرية في القانون الطبيعي هم (جون لوك) _1632-1704) البريطاني الذي يعتبر ملهم (رسو) في نظرية العقد الاجتماعي.
وعما نوئيل كانت (1724-1804) الذي قدم منهجاً لهذه النظرية، واقام علهيا ادلّة فلسفية، وبالرغم من ان (كانت) اعبتر أباً للنظريات الوضعية والتجريبية، الا انه ـ شخصياً ـ اعتبر من اصحاب النظرية الطبيعية في القانون، عندما نشر فكرة اصالة العقل، والتي بينّاها في مناسبة اخرى في هذا الكتاب.
أما الفيلسوف الذي اشتهرت نظرية العقد الاجتماعي باسمه فهو (رسو)، السويسري، الذي اعطى لنظريات (لوك وكانت)، في القانون، وعلم السياسية، زخماً عاطفيا هائلاً.
وقد اعتقد (لوك) ان الانسان ـ بذاته ـ يميل نحو التطور والعدالة، وان مبادئ القانون الطبيعي، هي التي تمنعه من الاعتداء على الآخرين. وفي المجتمع الطبيعي ينفذ كل فرد تلك المبادئ بنفسه، ولكن الإستقرار لا يتحقق في ظلّ مثل هذا الوضع، إذ يسعى الكل، لكي يكون مشرعاً وقاضياً ومنفذاً للقانون، من هنا ينبغي ان يؤسس المجتمع المدني، لتحقيق العدالة، والذي يحتاج الى اتفاق بين ابناءه، لكي يخول كل فرد صلاحيّته وحقوقه لأغلبية اعضاء المجتمع. وبما ان القانون الطبيعي جعل كل فرد حر فانّ هذه الحرية، لا تنتقل الى السلطة بصورة مطلقة، ومن هنا فاذا خالفت أيّة حكومة هذا القانون الطبيعي، فانها تفقد شرعيتها320.
أما (كانت) فقد جعل الانسان اصل القانون وجعل العقل هو الذي يكتشفه، ولكنه اكد ان العقل يحكم بالمبادئ الاخلاقية، والتي هي ايضاً مبادئ سياسية، وهكذا يعتبر (كانت) مبادئ القانون، من المسبقات العقلية. التي يعرفها الانسان بذاته، واعتبر الحرية هي من المبادئ الاساسية التي يعرفها العقل بذاته. ومن هنا فقد جعل اصل الدولة العقد الاجتماعي، وانطلاقاً من مبدأ الحرية جعل (العقد) اساس العلاقات الاجتماعية في القانون والحقوق المتبادلة بين الناس، وهكذا لا يأبه بالحبث عن عدالة العقود والاتفاقات القائمة بين الناس. ويعتبر هذا الرأي اساس القوانين الغربية، بالرغم من بعض التعديلات التي جرت عليه في مواضيع الإكراه والعيب وما اشبه.
وفيما يتصل بالعلاقات الدولية يرى كانت: ان الامم لا تزال تعيش في افق القانون الطبيعي الذي يعطي لكل امة حقوقاً لا تزول الا بالحرب321.
والفيلسوف السياسي المعروف «رسو» استطاع ـ بقلمه الذي فاض حيويّة وعاطفة، ان يكرّس نظرية العقد الاجتماعي في عالم السياسة. ولم يكن يبحث عن مبادئ فطريته، بقدر ما كان يفتّش عن حكومة صالحة لتكريس تلك المبادئ، التي رأى الحرية اصلها. وقد انطلق (رسو) في نظريته السياسية، من مبدأ فطرة الحرية عند الانسان، والتي لا يمكن التنازل عنها، فلا يمكن ـ مثلاً ـ ان يبيع شعب نفسه لملك جبار، لأن هذه الحرية عنوان انسانية الانسان، ومن هنا فيجب ان تؤسس شركة اجتماعية لإدارة الدول بصورة متساوية، لكي تنتقل حقوق الافراد الى شخصية معنوية (وليس الى شخص معين) تتمثّل في حاكمية القوانين322.
حقاً هذه النظرية نفعت الشعوب، ولكنها لم تعالج جذر المشلكة، إذ ان الجبابرة استفادوا حتى من هذه النظرية في التحايل على الناس وكسب اصواتهم لأهواءهم الذاتية.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب