فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
2/ نقد القانون الطبيعي
القانون الطبيعي مرادف للقانون الاخلاقي. وللايمان بعقل الانسان، كانسان، بعيداً عن الفوارق العرقية أو الطبقية أو حتى التفاضل العلمي. وبهذا يحقق ـ او طبق ـ اعظم انجاز انساني، ومعروف: ان الوحي الإلهي نزل على رسل الله سبحانه، لكي يعيد الانسان الى فطرته أيّ عقله.
ولكن القانون الطبيعي ـ الذي يعبر عن تلك المثل العليا والمبادئ الخالدة ـ قد يتعرض لعملية الخلط، فيسوء استخدامها، كما نجد عند (هوبز)، الذي اعترف بالعقل الكلي، الذي يوجد في زعمه عند الدولة (عقل الدولة)، وكذلك عند (هيجل)، الذي نادى بتأليه الدولة، وهكذا المادية التاريخية التي نجدها عند (كارل ماركس).
ومن هنا فان القانون الطبيعي، يجب ان يظل بعيداً عن الخلط، لكي يقوم بدوره في تمييز العدل الحقيقي عن العدل المزيّف، وحسب ما يقوله د. تناغو: حتى تظلّ نظرية القانون الطبيعي سالمة من كل انحراف، فيجب تحاشي كل خلط بين العقل الخالص، وبين أي عمل انساني معين بالذات. سواء كان عقل المشرع في أي دولة، أو في الدولة السائدة، أو عقل أحد الفلاسفة، أو عقل أحد المفسرين للعقائد الدينية أو السياسية323.
وقد بحثنا في الجزء الاول من هذا الكتاب: ان العقل هو ضمان فهم الحق، ووعي الوحي واستقامة الحياة، وان الرسالة الاسلامية جاءت لايقاظ العقل البشري من سباته كما وانها، جعلته شاهداً على تفاصيل الشريعة.
ولكن الايمان بالقانون الطبيعي لا يكفي لفهم سائر معطيات القانون وذلك لسببين:
اولاً: ان القانون الطبيعي هو جملة من المبادئ الخالدة، التي يختلف فيها الناس، وقد اختصرتها المدرسة الطبيعية الحديثة، حتى وضعتها في بضع كلمات، وحسب د. «كاتزويان» لقد تركت المذاهب (الفلسفية) في القرن العشرين التطلّعات السامية، وحدّدت القانون الطبيعي في بضع قواعد عامة، واعتبرت سائر القواعد الحياتية عرضه للتغيير حسب التطورات الاجتماعية324.
وهي: القواعد التي يعترف بها الذوق السليم، والعقل، مثل احترام الحياة والحرية والكرامة واعتبرت هذه المبادئ مقبولة عقلياً ونافعة للحاجات الاجتماعية325.
اما الاستاذ (لوفور) الفرنسي، فقد حددها في ثلاث قواعد رئيسية: احترام الاتفاقات التي عقدها الانسان بحريته. وحد الاضرار الناتجة عن فعل الانسان واحترام القوى الاجتماعية326.
بينما نجد (استامر)، الفقيه الإلماني يرى، العدالة المبدأ الاساسي، ولكنه يعتقد بأنها تختلف حسب الظروف، ويرى ان كل مجتمع بحاجة الى امرين: قواعد لاحترام حقوق الآخرين. وقواعد للتعاون، وان تحقيق هذين الهدفين، يختلف حسب اختلاف الزمان والمكان، ويرى: ان المبادئ التي زعم الفلاسفة انها خالدة ليست كذلك. وانما هي متغّيرة حسب الظروف بلى الخالد هو العدالة والتطلّع لتحقيقها والتي يورث في كل مجتمع نوعاً من القوانين المناسبة327.
وعند (برجسون) الفيلسوف الفرنسي، الذي جدّد ذكريات نظريات الاشراق، يتخذ المذهب الطبيعي شكلاً جديداً، حيث يعترف بدور اساسي للعقل، ولكن حسب منهجه في الاستفادة منه فان العقل البشري جزء من النشاط الحيوي فوق المادي للانسان، وانما يعرف العقل الحقائق بالاندماج بها وبطريقة الاستبطان.
وعند (برجسون) هناك انظمة وعادات واعراف تتصل بالجانب المادي من الانسان وهو الجانب الأدنى من العقل عنده328.
ويعتقد (برجسون) الذي سمّيت فلسفته بفلسفة الحياة، لأنه اعتبرها جوهر الوجود، يعتقد: ان المجتمع هو مصدر القسم الثاني من الاخلاق (الادنى من العقل) والاخلاق بهذا المعنى هي مجموعة من العادات تمكن مقارنتها بغرائز الحيوانات؟ لأن افراد المدينة يتماسكون كالخلايا في الجسم الواحد329.
أما اساس القسم الاول من الاخلاق فهو الحدس والانفعال الخلاّق لمؤسّسي ومصلحي الاديان والمتعبّدين الغامضين والقدّيسين، وهؤلاء يقومون باختراع الفنان. وهذا النوع من الاخلاق انساني عالمي وليس فقط اجتماعياً خاصاً بجماعة معينة330.
وبالرغم من ان نظرية (برجسون) الحيوية، التي اتبعها جمع كبير من فلاسفة القانون، اعتبرت من النظريات المخالفة للمذهب الطبيعي، الا انها ايّدت ـ بطريقة مختلفة ـ نتائج هذا المذهب، وهو وجود مبادئ عليا، يمكن للانسان ان يكتشفها بطريقة الاشراق، وهي عامة لكل البشر.
واعقتد ان نظرية (هيسول) الأماني، التي سميّت بفلسفة الجوهر، هي الاخرى تنتهي الى ذات النتيجة مع بعض الفروق. فان القيم عنده موجودة في عالم علوي يسمّيه بـ(مملكة القيم) والناس لا يتساوون في الاستلهام منها، لان بعضهم اقدر من بعض في وعي تلك القيم (والاتصال بتلك المملكة العليا)، وان وجود تلك القيم لا يرتبط بوجود الانسان، بل هي خالدة في مكانها331.
ولكن (هيسول) يرى بأن هناك فارقاً بين القيمة الاخلاقية، وبين الامر المستمد منها، فبينما الاولى ابدية خالدة، فان الثاني يمكن ان يتغير بحسب الظروف، وبحسب قدرة الانسان على الوصول الى مملكة القيم332.
وهكذا ـ حسب د. تناغو ـ فان فلسفة الجوهر تتّفق مع نظرية القانون الطبيعي في ان الاخلاق ابدية خالدة، ولكنها ترفض ما تقوله نظرية القانون الطبيعي من ان الاخلاق انسانية عقلية عالمية333.
وأنّى كان فان القانون الطبيعي، يفرض نفسه بين الحين والآخر بطريقة جديدة، وعبر فلسفة اخلاقية متميزة. واليوم وبعد تعرّضت هذه النظرية لكثير من الهمجات من قبل المدرسة الوضعية. لا تزال نظرية القانون الطبيعي تبدو صامدة. بالرغم من انها قد تقلّصت كثيراً وحسب ما يقول هنري باتيفول: ان أشهر رجال القانون المدني الفرنسيين في القرنين التاسع عشر والعشرين، امثال: اوبري، ورو، وبووان، وبلا فيول، وكولان، وكابيتان، قد تمسّكوا بهذا الحل الوسط (ان القانون الطبيعي يستطيع على الاقل، ان يقدم المبادئ العامة التي تتكيّف نتائجها مع حاجات الزمان والمكان)334.
وكلمة اخيرة:
كان القانون الطبيعي ملاذاً للمفكرين الاحرار عندما ابتلي الناس بدول ديكتاتورية ظالمة. لكي يوفّروا للناس شرعية الثورة ضد القوانين الجائرة. حيث ان النتيجة الطبيعية للاعتراف بالقانون الطبيعي، تتمثل في شرعية التمرد على أي قانون موضوع لا يتفق ومبادئ القانون الطبيعي (من العدل والحرية) وهكذا رأينا كيف انتشرت نظرية القانون الطبيعي في القرن العشرين بالرغم من انتقاد المدرسة الوضعية لها في القرن التاسع عشر.
وذلك من اجل مقاومة الحكومات الفاشية والنازية وسائر الدول الديكتاتورية الناشئة في العالم يومئذ335.
وفي العالم الاسلامي، كانت المذاهب العدلية عبر التاريخ والتي آمنت بالقانون الطبيعي، وبالمبادئ الخالدة التي تبشّر بها الشرائع الإلهية ويستطيع العقل وعيها. كانت هذه المذاهب (الإمامية ـ المعتزلة) ترى شرعية الثورة ضد الدول المستبدة، بينما سائر الفرق الاسلامية، التي لم تعترف بالمبادئ العقلية كانت تهادن هذه الدول عادة.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب