فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الثاني: المذاهب الوضعية
كلمة البدء

1/ الفلسفة الوضعية والمذاهب الوضعية
2/ المدرسة التاريخية
3/ المدرسة النفعية (المصلحية)
4/ المدرسة الواقعية
5/ المدرسة الديكتاتورية
6/ المدرسة الخالصة
كلمة البدء
ساهمت عوامل شتّى في تكوين وانتشار المذهب الوضعي في القانون، والذي يعتبر اليوم هو المذهب المنتشر بين الحقوقيين، كما وانه قد أثر تأثيرا حاسماً على مجمل التشريعات في العالم اليوم.
وأبرز تلك العوامل:
أولاً: طغيان الفلسفة المادية في القرن التاسع عشر. وانتشار فلسفة (او جيست كونت) الوضعية في المنطق، حيث اقتنع الكثير من العلماء، بأن دراسة الاحداث في مجالي الزمان والمكان دراسة تجريبية، اجدى من التحليلات العقلية. ولا ريب ان تقدم العلوم التجريبية في الطبيعيات زادهم ايماناً بهذا المنطق.
ثانياً: وقد آمن الكثير من الحقوقيين (لاسيّما في المانيا) بالمذهب التاريخي الذي يجعل القانون ظاهرة شعبية، تساهم في تكوين التطورات التاريخية لشعب من الشعوب، وهكذا حوّلوا اهتمامهم من التشريع القانوني الى دراسة القوانين (الاعراف) السائدة بين الناس، وهكذا ساهم هذا المذهب في انتشار المذهب الوضعي، الذي هو الآخر جعل القانون ظاهرة حياتية، كأية ظاهرة طبيعية.
ثالثاً: وتقدّم علم الاجتماع وأخذ يدرس كل ظاهرة اجتماعية باعتبارها «حدثاً طبيعياً»، وبذات المنهج الذي يدرس به الظواهر الطبيعية تقريباً. وأورث هذا المنهج، المذهب الاجتماعي في القانون، حيث اخذوا يدرسونه باعتباره حدثاً اجتماعياً. فساهم هذا الامر في انتشار المذهب الوضعي في القانون336.
وجملة القول: ان البيئة الثقافية العامة، في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات هذا القرن، ساهمت في تنامي المذهب الوضعي، الذي لم يعترف بالافكار المسبقة للقانون، أو المبادئ الخالدة، التي آمن بها المذهب الطبيعي.
1/ الفلسفة الوضعية والمذاهب الوضعية
سبق ان أحد ابرز عوامل انتشار المذهب الوضعي، كانت الفلسفة الوضعية فما هي هذه الفلسفة؟.
يعتبر «بيكون» رائد هذه الفلسفة في انجلترا، وقد اتبعه الفيلسوف الفرنسي «واجيت كونت». وقد ساهمت افكار «كانت» في نقد العقل في تطوير هذه الفلسفة، وقد انحاز اليها ـ في مجال القانون «ديجي» الذي يعتبر من كبار رجال القانون في فرنسا، وكذلك «كلسن» الذي يعتبر من كبار خبراء القانون في أميركا.
وتنكر الفلسفة الوضعية، المبادئ العامة وتهتم بدراسة الظواهر في مجالي الزمان والمكان. وهكذا تقود هذه الفلسفة اتباعها الى القانون الوضعي، الذي يُشرع ضمن مجالي الزمان والمكان، أي ذلك القانون الموجود في دولة معينة في عصر معين، والذي يمكن دراسته عن طريق الملاحظة المباشرة.
وهكذا ولد المذهب الوضعي الذي انقسم بدوره الى اتجاهين.
الاول: المذهب الصوري (الشكلي) الذي يعتبر القانون تعبيراً عن ارادة المشرع (وهو الدولة عادةً).
الثاني: المذهب الواقعي الذي يدرس محتوى القانون حسب العوامل لمؤثرة فيه. (اجتماعية ـ تاريخية ـ اقتصادية وما اشبه)337.
وبالتالي انقسم المذهب الوضعي في القانون، الى عدة مدارس: أبرزها المدرسة الصوريّة والمدرسة التاريخية. والمدرسة النفعية.
المدرسة الإرادية:
تاريخياً نجد جذر هذا المذهب عند الفلسفة الابيقورية، التي قامت على اساس اللذة وانكرت المبادئ الاخلاقية في الحياة. وجعلت محور اجتماع الناس اتفاقهم على قانون يتعاقدون على احترامه، وهكذا جعل ارادتهم في سن هذا القانون مصدر شرعية هذا القانون338.
وفي الرومان انتشر القول «ان ما يرضي الحاكم يتمتّع بحكم القانون» وهكذا ارتبط القانون بإرادة مشرعه (الحاكم)339.
وفي القرن الاخير انتشرت فكرة العقد الاجتماعي (رسو) وهيّأت مناخاً مناسباً للمذهب الإرادي، فاذا كان العقد مصدر شرعية القانون، فأي قانون يضعه المتعاقدون بينهم فهو شرعي، ومع قطع النظر عن محتواه. وهذا ـ في الحقيقة ـ جوهر المذهب الارادي.
والواقع: ان النظرية الارادية ليست واحدة. إذ ان منها ما تعتبر القانون نتيجة ارادة الشعب (رسو)، ومنها ما تعتبرها صنيعة الدولة وقوّتها، حتى قال أحدهم (ييزينغ الألماني) ان القانون هو ثمرة القتال، ومنها ما تعتبرها اوامر يضعها المشرع، حيث قال (هويس) البريطاني «ان القوانين هي عبارة عن اوامر، ومهمة رجل القانون تقضي بتحليها»340.
ولكنها جميعاً تشترك في امرين: الاول: الاهتمام بالارادة، التي ـ من دونها ـ يصبح القانون مجرد نصيحة . والثاني: الاهتمام بشكل القانون وصياغته وترسيمه واعطاءه صفة الامر الثابت.
المدرسة الصوريّة:
يشمل هذا المذهب جيمع الذين يصفون القانون بصفات خارجية، فمثلاً مذهب التفسير الذي شاع في فرنسا، ومذهب التحليل في أميركا وبريطانيا، هما ـ في الواقع ـ من ضمن هذا المذهب الذي كان همّهما: ابراز ارادة الشرع دون التوجه الى محتوى القانون.
وهكذا يشترك المذهب الصوري والمذهب الارادي في ان المذهب الصوري يفسّر ما يشرعه المذهب الارادي…
وفي التاريخ المعاصر كان «كلسن» الذي ابتدع نظرية القانون الخالص، أبرز ممثلي المذهب الصوري، بسبب منهجه الواضح، حيث حاول تصفية القانون من المتعلّقات الفرعية التي ارتبطت به، وذلك بسبب تداخله مع سائر العلوم الانسانية (علم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد وما اشبه).
وقد رأى (كلسن) ان القانون يأمر، كما يفعل المنطق وقواعد النحو والاخلاق، في حين ان علوم النظام الطبيعي تتولّى الشرح والتفسير341.
نقد المدرسة الإرادية والصوريّة:
إذا اردنا تحليل النظريات الصورية (الشكلية) والارادية في القانون، وردّها الى اصولها الفلسفية والفكرية يجب ان نبين الحقائق التالية:
اولاً: لا يصبح القانون قانوناً الا عند تشريعه، والتشريع ـ بدوره ـ يمر بعدة مراحل ابرزها، وضع كل مفردة قانونية (كل تشريع) في اطاره المناسب، مثل توضيح علاقته بالدستور، وبسائر القوانين القائمة على اساس الدستور، وكذلك باللوائح المستنبطة منها.
كما ان التشريع يقتضي نسبة كافية من الوضوح والثبات والدقة، لكي يوفر الفائدة المرجوة من القانون: وهي التوقع اذ ان كل شخص في المجتمع، لا بد ان ينظم نشاطه حسب ما يتوقعه من القانون، ينظم علاقة الفرد بالمجتمع، والفرد بالدولة التي تمثل المجتمع، كما ينظم علاقة الدولة بسائر ابناء المجتمع. وسواء تم انتخاب الدولة أو الانتماء الى المجتمع عبر عقد واضح حسب نظرية (رسو) في (العقد الاجتماعي) أو تمّ الرضوخ له والتسليم لارادته كرهاً، والذي يعتبر بدوره نوعاً من القبول والرضا. (لان رفض الانتماء او التمّرد على السلطة انما يكون صادقاً إذا عبّر عنه الفرد بالثورة والعصيان. والا فهو بالتالي يعتبر راضياً).
اقول هذا الرضا الواضح (العقد الاجتماعي والانتخاب الحر) او الضمني (السكوت العملي) انما ينطويان على قبول للعلاقة القائمة بين الطرفين والتي يحددها القانون.
والقانون ـ بهذا المفهوم ـ يقوم بدور الوسيط، وهذا هو الدور الاساسي للقانون كصورة وشكل، بعيداً عن المضمون والمحتوى. أي سواء كان قانوناً عدلاً أم جائراً. انه أشبه ما يكون بعقد الزواج والذي تختلف صوره ومحتوياته من شعب لآخر اختلافاً كبيراً. الا ان المطلوب منه مجرد انشاء علاقة ثم تكون سائر ابعاده مسائل ثانوية نسبة الى هذا الدور الاساسي.
ثانياً: المذهب الصوري باهتمامه بهذا الجانب الشكلي للقانون، اراد ان يصلح الجانب الاساسي للقانون، ان من ناحية علاقات بنوده ببعضه، وان من جهة سهولة فهمه وتطبيقه، وبالتالي فهو يخدم علم القانون ـ من هذه الزاوية ـ خدمة كبيرة.
من هنا اعتقد «كلسن»، الذي يعتبر الوجه اللامع في هذا المذهب، اعتقد ان القانون يأمر كما يفعل المنطق وقواعد النحو أو الاخلاق، في حين ان علوم النحو الطبيعي تتولّى الشرح والتفسير.
ويقول: (في معرض تفريقه بين الامر الاخلاقي الذي ينطوي على أمر صارم وبين القانون) أما الأمر القانوني فهو ـ على النقيض من ذلك ـ افتراضي ومربوط بارادة الغير، انه افتراضي لأن الامر خاضع لشرط معيّن، كأن تقول: امتنع عن الاقدام على عمل ما إذا اردت ان تحصل على نتيجة معينة، هو منوط بإرادة الغير من حيث ان الامر يصدر عن غير الجهة التي يوجّه اليها342.
ومن هنا فان قانون التجمّع وقانون الجمعية وقانون الدولة سواء كانت قمعيّة أم ديمقراطية أم دينية. كل اولئك يقسم بذات الخاصية الاساسية للقانون. وهو بناء قواعد متكاملة للسلوك. (أو قل عملية افتراضات منسّقة).
ثالثاً: ان المذهب الصوري، قد اضاف تحليلات لطيفه على القانون، ولكنه ارتكب خطأ كبيراً عندما نظر الى القانون فقط من هذه الزاوية، حيث ان شكل القانون هام ولكن محتواه ومضمونه لا يقلّ اهيمة من شكله، كما عرفنا ذلك سابقاً، ونعرفه انشاء الله خلال استعراضنا لسائر المذاهب.
علماً بان نظريتي قائمة على اساس الانتفاع بكل نظرية. وتحويلها الى جزء مكمل لسائر النظريات.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب