فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
2/ المدرسة التاريخية
في عام 1814م حينما اقترح (تيبو) الاستاذ في جامعة (ينا) في المانيا، وضع قانون للبلاد على غرار قانون نابليون، تحداه الاستاذ الحقوقي (ساويني)، ونشر نظريته التاريخية، وزعم ان القانون يوقف تطور القانون الطبيعي، حيث ان الامة هي مصدر القواعد القانونية.
والامة ليست طائفة من البشر يعيشون في عهد خاص، انما حركة الاجيال التي تتوارث الاعراف والعادات والقوانين (كما تتوارث الثقافة واللغة)343.
وحسب هذه النظرية، التي وجدت انصاراً لها في بريطانيا واميركا، فإن هناك ثلاث مراحل لولادة القاعدة القانونية:
1ـ العرف العام الذي يعكس الروح الوطنية، ويمثل المصدر الاساسي للقانون.
2ـ علم القانون الذي هو منهج القضاة وعقائد خبراء القانون وهو بكل الاصول العرفية تكميلاً فنياً.
3ـ القانون الذي يشرع رسمياً على اساس العرف وآراء العلماء344.
نقد المدرسة التاريخية:
ليست النقطة الايجابية الوحيدة في هذه المدرسة الاهتمام بالتاريخ، الذي يخزن المزيد من التجارب الثمينة للامم، بل وتمتاز هذه المدرسة بالاهتمام بالعرف. وتلك القواعد التي يؤمن بها الناس ويقضون بها في امورهم. علماً بأن الحياة ذاتها منظومة من المحاكمات والدعاوي والاحكام بالرغم من انها ليست دائماً تعود الى قاعة المحكمة ويقضي فيها القضاة حسب القوانين الرسمية. فالاهتمام بهذه التجارب في وضع القوانين وفي تنفيذها يساهم في قربها من العدالة وكذلك في سهولة تطبيقها.
وتأتي اهميّة العرف من بعدين:
أولاً: ان الناس هم بشر عقلاء وان فطرتهم ـ عادة ـ سليمة وفيها من المبادئ الاخلاقية ما ينفعنا لوعي الحقائق.
ثانياً: ان تجارب الامم التي يختزلها الناس، في امثلة واعراف، فتصل المتغيرات والقيم التي تميزهم عادة عن بعضهم والتوجه الى هذه التجارب يجعلنا نقترب من واقعيات حياتهم في تشريع القوانين.
وهذا هو الذي جعل الدين قد اهتم بالعرف وجعله معياراً لمعرفة حقائق كثيرة345.
وحسب ما يقوله (هنري مين) الذي يعتبر رئيس المدرسة التايخية في بريطانيا: ان القانون الذي يوضع من قبل الحاكم السياسي ويخالف الاعراف المتجذرة يعتبر أداة عبثية لا تثمر تطوراً346.
ولكن هذه المدرسة تنطوي على نقاط سلبية كالتالية:
1ـ اعتبر القانون عملاًن لا ارادياً، ينبع من عمق المجتمع وبصورة تدريجية، وعلى المشرع ان يكتشفه كما يكتشف الفلاح نبع ماء من تحت الارض. بينما الحقيقة: ان القانون تشريع إرادي قائم على اساس العقل والارادة والمثل العليا، كما وانه يتأثر بالظروف والضغوط والمتغيرات المختلفة.
ومن هنا فأن الغاء سائر المؤثرات في وضع القانون، يعتبر خطأ كبيراً. إذ قد نجد ان القانون يؤثر في المجتمع، ويخلق عرفاً، وخلقاً اجتماعياً لا العكس.
ألم تر كيف يبعث الله رسولاً الى امة فاذا استجابوا له تغيرت حياتهم بصورة كبيرة.
2ـ القانون قد يكون انعكاساً عن الوضع القائم، وقد يكون فعلاً مؤثراً في هذا الوضع وعلينا الا ننسى دور هذا النمط من القوانين ذات الرسالة الاصلاحية. وهكذا كل ظاهرة فكرية. قد تكون نتيجة حالة اجتماعية وقد تكون علّة لها. ومن هنا يقول «ايرينگ» الخبير الألماني الذي خالف المدرسة التاريخية يقول: القانون قوّة حيوية وفعّالة وبالرغم من ان هدف القانون الاساسي اقرار الامن والسلام الا انه لن يتحقق هذا الهدف من دون النضال347.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب