فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
3/ المدرسة النفعية (المصلحية)
تعتمد المدرسة النفعية على المنطق التجريبي الذي اسسه (بيكن)، وانكر التحليل العقلي في معرفة الاشياء، واعتمد التجربة طريقاً وحيداً في بلوغ الحقائق، وكذلك في القيم انكر وجود المبادئ المطلقة في الخير والشر.
وانعكس هذا المنطق في القانون، على صورة المدرسة النفعية والمدرسة الواقعية (البراجماتزم)، وهما متقاربتان جداً.
أما المدرسة النفعية، فقد زعمت ان عامة الناس يعتبرون: مقياس الخير والشر، المصلحة والضرر، وعليه فيجب قياس القانون على الأسس التالية:
1ـ يجب قياس سلوك الانسان على اساس النتائج المترتبّة عليه (من نفع أو ضرر) بالنسبة اليه أو الى الآخرين.
2ـ وهكذا القانون يجب ان يقاس على اساس نتائجه، بالنسبة الى بناء المجتمع حالياً ومستقبلاً.
3ـ ولكي نعرف النفع والضرر في نتائج القانون، يجب ان نقيس مدى اللذة والألم فيه، وأيهما (اللذة والتنعّم أو الالم والشقاء) هو الاكثر.
4ـ وفي هذه اللذة والالم، يجب ان لا نهتم بأحد اكثر من غيره، بل نقيس ذلك على اساس عامة ابناء المجتمع 348.
وهذه النظرية ـ التي تذكرنا بأبيقور ونظريته التي طالما استخدامها اصحاب الهوى في الانصياع للشهوات الفاعلية ـ انها تنطوي على نقطة ضعف كبيرة بالرغم من ان لها بعض الجوانب الايجابيّة. وتتمثل نقطة الضعف فيها في عدم قدرتها على اقناع المؤمنين بها، على الاهتمام بالآخرين. فاذا كانت السعادة الشخصية مقياس الخير واذا كانت اللذة مقياس السعادة، واذا كان هدف القانون هذا النوع من الخير الفردي المحدود، فأيّ تبرير يكون للدفاع عن القيم والتضحية من اجل الآخرين.
وبالرغم من ان اصحاب هذه النظرية، من (أبيقور) في العهد اليوناني القديم، الى «جرمي بنتام» و«استيوارت ميل» و«ايرينگ» في العصر الحديث، قد حاولوا توسيع مفهوم السعادة، لكي تشمل خير المجتمع، وحتى ان «استيوارت ميل» آمن بوجود وجدان اخلاقي عند الانسان يمنعه من اعتبار السعادة شخصية.
أقول: بالرغم من انهم حاولوا ذلك، الا ان فلسفتهم تنقصها القدرة على الاقناع، بل انها تبرّر الذاتية والأنانية عند الانسان بأبشع صورها، وهي مخالفة للقانون كما هي مخالفة للاخلاق. حيث ان الذي جعل هدف حياته اللذة والمنفعة الشخصية، لا يتقي من تحطيم سعادة الآخرين بأية وسيلة ممكنة 349.
ثم ان الذه ليست حقيقة كميّة حتى تخضع للمحاسبة، وكل انسان يمكن ان يجعل لذّته اسمى من لذة الآخرين350.
بلى هناك جانب مشرق في هذه النظرية، هي قياس نتائج القوانين وانعكاساتها على اوضاع الناس، ومدى مساهمتها في خيرهم وصلاح معايشهم، وقياس ذلك على اساس جمعي وليس فردي. والبحث عن ادوات لقياس كميّة السعادة ودرجتها بالنسبة الى مختلف طوائف المجتمع، ولا ريب ان تقدم علوم الاحصاء في كافة حقول الحياة، يسمح لنا بهذه المقاسية، بصورة قريبة من الدقة، نعم يجب الا نجعل الجوانب المادية فقد مقياساً للسعادة، بل سائر ابعاد الحياة، بما فيها الجوانب المعنوية كما بيّنا ذلك في مناسبة اخرى.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب