فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
5/ المدرسة الديكتاتورية بالرغم من ان المدرسة الارادية، التي جعلت القانون نتيجة لارادة الحاكمين، وجدت مع اقدم الدول المستبدة، الا ان نظرية «وحدة الدولة والقانون» التي افضت الى اعتى انماط الديكتاتورية في العصر الراهن أو لا اقل بررتها، انما وجدت في فلسفة «هيجل» (1770/1831) افضل سند لها ونصير. فما هي هذه الفلسفة، التي يرى البعض أنها جاءت ردّ فعل مباشر للفوضى التي سادت فرنسا في عهد الثورة، والتي اظنّ أنها مثلت روح المانيا في تلك الحقبة، وربما حتى الآن، افضل تمثيل؟ ان فلسفة «هيجل» قائمة على اساس تجميع كافة الافكار والنظريات، فهي ـ في الحقيقة ـ منهج للجمع بين المدارس المختلفة وإنما وضع منطقه القائم على اساس الاطروحة وضدّها والجمع بينهما (الطباق) من اجل هذا الهدف. ومن هنا جاءت الفلسفات التالية لها، بمثابة امتداد لها، على ما بينها من تناقض ظاهر. وتبدأ هذه الفلسفة من التفريق بين الحرية وإتباع الاهواء الفردية، وهكذا يفسر الحرية بالنظام، لأنها لا تحقق الا بالدولة، ويزعم انه لا يمكن التفريق بأية صورة، بين القانون والدولة، وبين السياسة والاخلاق، ومن هنا يمكن للحكومة ان تفدي الفرد لمصلحة المجموع359. ويرى: ضرورة تدوين القانون، ولا يمكن الاعتماد على العرف، وقد اعتمد في وضع القانون على منطقه المعروف بالديالكتيك، حيث يقابل كل حقيقة بأخرى ثم يجمع بينهما في صورة حقيقة متكاملة، وكمثل على ذلك ـ حسب باترسون ـ الاطروحة هي ضرورة تدوين القانون لأن قواعده بحاجة الى الوضوح. اما ضدّها فهي لا ينبغي تدوين القانون للحاجة الى تغيير قواعده بصورة دائمة. أما جمع هذه الاطروحة وضدّها، فيمثل في (الطباق) أن القواعد الاساسية لا تتغير فتكتب، بينما القواعد الفرعية تتغير اسرع فلا تحتاج الى التدوين360. اما الفكرة العامة في نظرية هيجل ـ حسبما أرى ـ فهي: بلورة روح الامة، حيث يعتقد ان الحياة حركة تكاملية نحو الروّح المطلق (الله تعالى) وان كل امّة تتفق حركتها مع تلك الحركة التكاملية العليا فإنها تتقدم وتتعالى على سائر الامم، وحين تضعف حركة هذه الامة تترك القيادة لغيرها. والصراع القائم بين الامم، ضرورة لتقدم تلك الروح العالمية، وانتصار امّة على اخرى هي ـ في رأي هيجل ـ انتصار الحق على الباطل، ولأن الواقع هو الحق فأن النتيجة التي تترتّب على نظرياته هي ان القوة هي الحق. وبما ان (هيجل) كان يرى ان الألمان هم الامّة القريبة من الروح المطلقة، وان الدولة فيها هي كل شيء، وان قوّتها هي الحق، فان نظرية هيجل وجدت أوضح تطبيق لها، في النازية العسكرية، وهذا يعتبر اكبر فضيحة لنظريته. وأنّى كان فان هيجل آمن بـ«روح الأمة» واعتقد انّها منظومة ابعاد الحضارة فيها، ابتداء من اللغة والآداب والاعراف، وانتهاء بالدين والمنظمات السياسية والقانونية، وهي جميعاً كل لا يتجزأ361. وهكذا تصور: ان القانون يعتمد على الروح العامة في الامة اكثر من اعتمادها على البنى الاقتصادية (بعكس عقيدة الماركسية) وزعم ان مصدر هذه الروح انما يوجد في (ميتافيزيقيتها) تماماً بعكس الحتمية المادية التاريخية التي اعتقد بها كثير من مؤيدّيه من بعده362؟ فنظريتهُ قريبة من المدرسة الاجتماعية، بالرغم من انها اكثر تكاملاً منها وشمولاً. نقد نظرية هيجل: أما مصدر هذه النظرية القائم على اساس المنطق الديالكتيكي فقد بحثناه في اكثر من مناسبة، ورأينا انه مجرد اسلوب لإثارة الفكر، والا فان هناك اكثر من ثغرة فيه، مثلاً، كيف نعرف ضدّ الاطروحة، وكيف نكتشف الجمع الأمثل بينهما ـ فاذا اردنا ان ندرس ضرورة بناء البيت فهل ضد ذلك عدم بناء البيت، أم بناء المدرسة أم ماذا، ثم الجمع بينهما هل هو بأن نقول: إذاً دعنا نبني البيت في أرض مستوية، أو بثمن رخيص، أو في وقت دون وقت هكذا، وقد طبّق (هيجل) ذاته نظريته على الدين فقال: 1ـ ان الدين اطروحة، والفنّ ضدها، والجمع بينهما فلسفة مما أثار تساؤلات من قال ان ضدّ الدين هو الفن وكيف ولدت الفلسفة من الجمع بينهما؟ 2ـ ثم ان (هيجل) بالغ من تمجيد الدولة، ووضعها في اسمى مرتبة، ولم يفرق بين الأمّة والدولة، ولا ريب ان هذه النظرية ادّت ـ كما رأينا ـ الى سيطرة أعتى الحكومات الديكتاتورية. 3ـ كما انه لم يفرّق بين الواقع والحقيقة، أي بين ما هو قائم فعلاً، وبين ما ينبغي ان يكون، وهذا مخالف للوجدان، ولأبسط البديهيات، ولروح القانون ايضاً، فاذا كانت الفوضى والجريمة والارهاب قائمة في بلد، فهل نعترف بها باعتبارها وقائع قائمة، أم نقاومها باعتبارها فساداً يجب اصلاحه وتبديله بما هو افضل؟. بل ان (هيجل) نراه يبالغ في تمجيد القادة ويعتبرهم الضرورة التاريخية مما يجعل فلسفته في خدمة الطغاة تماماً363. وبالرغم من كل ذلك، فان في نظرية (هيجل)، نقاطاً ايجابية، أبرزها: محاولة المجع بين مختلف الافكار وتكميل بعضها ببعض، وأيضاً عدم روية الاشياء من زاوية واحدة بل من زوايا مختلفة، وفي حقل القانون، الاهتمام بروح الشعب، التي هي جملة خصائصة النفسية والتربوية والثقافية والاقتصادية ونظامه السياسي والاقتصادي، ووضع قانون يعكس تلك الروح، وهذه الفكرة تعتبر بداية لدراسة شاملة للعوامل المؤثّرة في القانون، على ان نجعل كل ذلك يطال الجوانب المتغيرة منه، اما المبادئ الخالدة، فانها واحدة، ولا يمكن معرفتها الا بالعقل والوجدان، وقد سبق الحديث عنها عند بحث المدرسة الطبيعية ونفصّل القول فيها ـ مستقبلاً ـ انشاء الله.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|