فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الفصل الثالث: المذاهب الاجتماعية
كلمة البدء و 1/ قواعد المذهب الاجتماعي 2/ المذهب الاجتماعي وروح الامة كلمة البدء ولدت المذاهب الاجتماعية من رحم المدرسة التأريخية، التي اسلفنا الحديث عنها، فاذا كان مصدر القانون، الامة بأجيالها المتلاحقة، فان دراسة الجيل الحاضر تجعلنا قريبين من ذلك المصدر، وهذه الدارسة (المجتمع الحاضر) هي جوهر المدرسة الاجتماعية. وقبل ان تولد هذه المدرسة، كانت هناك ارهاصات لها في نظريات الاغريق فقد اعترف (أرسطو) بأن قوانين ايران لن تكون متماثلة مع قوانين أثينا369. كما ان (منتسكيو) ـ في القرون الاخيرة ـ اكد ان التباين في الاوضاع الجغرافية والاجتماعية يستدعي حتماً مثل هذا التنوع في القوانين370. وكان «اوجيست كنت» بنظرياته الوضعية، قد شجّع تابعيه وبالذات (دوركايم) لتكميل المسيرة الاجتماعية، ليست في حقل القانون، بل في تكوين علم جديد بإسم علم الاجتماع، قائم على اساس نظرية «اصالة الاجتماع». 1/ قواعد المذهب الاجتماعي في أواخر القرن التاسع عشر، اقترح (دوركايم) ثلاث قواعد تطبق على القانون: الف ـ ضرورة دراسة الظاهرة الاجتماعية بمنهج الملاحظة والتجربة، كما تدرس الظاهرة الطبيعية تماماً. وبما ان القانون ظاهرة اجتماعية، فعلينا دراسته بهذا المنهج، حيث ان مصدر القانون هو العرف الذي يتكوّن عفوياً. وفي هذه النقطة تشترك المدرسة الاجتماعية والمدرسة التاريخية (اعتبار القانون نابعاً من العرف بصورة عفوية) الا ان المدرسة الاجتماعية تسعى ـ ليس لا صطياد القاعدة القانونية من بحر العرف فقط ـ بل وتحليلها تحليلاً علمياً، خاضعاً للتجربة ايضاً. باء ـ الظاهرة الاجتماعية تأتي نتيجة ضغط المجتمع، وليس نتيجة تفكير فرد أو افراد تفكيراً موضوعياً عقلائياً. والقانون أحد ابعاد الظاهرة الاجتماعية (الى جانب الاخلاق والدّين واللغة والثقافة وما اشبه) فهو يولد نتيجة الضغط، ومن هنا فان المشرّع أو القاضي، يخضع لذات الضغط ويأتي تشريعه أو حكمه انعكاساً لمجمل العوامل المؤثّرة في المجتمع ـ سياسياً أو ثقافياً أو اقتصادياً أو حتى بيئياً. جيم ـ أيّة فكرة أو ظاهرة أو اتجاه في المجتمع، يعتبر انعكاساً للروح الجماعية، أي لتلك الشخصية المستقلّة للمجتمع. والقانون ـ بدوره ـ هو قانون تلك الشخصية، وحسبما يقول باتيفول: ولكون كل مجتمع يعيش القانون فعلم الاجتماع يؤدي ـ أذاً ـ الى مشاهدة الظاهرة القانونية في قواعد تنظيم أي تكتل بشري سواء أكان الامر يتعلّق بأضعف جمعية أو بأقوى دولة أو بالأسرة الدولية371. نقد المذهب الاجتماعي: بعد بيان منطلقات المذهب الاجتماعي في القانون، ومدى تأثره بالفلاسفة من قبل وأبعاد التطور الذي مرّ به سوف نتناول بالدراسة النقدية لهذه البنود الثلاث. دعنا نبدأ بنظرة عامة لمنطلقات (دور كايم) في هذه البنود: وقد استفاد (دور كايم) هذه النقطة من «أوجيست كونت» الذي كان (دور كايم) يكمل مسيرته. حيث اعتقد بالوجدان العام (الروح الجمعية) الذي اعتبره حقيقة قائمة، واعتبر القواعد القانونية الناشئة من هذه الروح اهمّ من كل القواعد، واعتقد (كونت) ان منشأ هذه الروح، والذي هو اصل المجتمع ايضاً، ليست المصلحة التي لا تتحقق الا بالحالة الاجتماعية, وانما الحسّ الاجتماعي الذي يوجد عند كل شخص الى جنب حبّ الذات372. وقد انعكس نشاط علم الاجتماع على آراء خبير قانوني فرنسي اسمه «هوريو» كان يعيش في مطلع هذا القرن. وترك من خلاله اثراً بالغاً على مسيرة القانون. حيث اعتقد هوريو: ان علم الاجتماع يستطيع ان يقدم اموراً كثيرة الى رجال القانون، إذ ان العلاقات الاجتماعيّة تؤلف «مادة الكيان الاجتماعي» بحيث لا يمكن معرفتها دون معرفة هذا الكيان. وذهب الى نظرية المؤسسة التي تعارض النزعة الفردية، المتّجهة نحو تفسير كل شيء بموجب العقود والارادات الشخصية وتؤكد ـ مع علم الاجتماع ـ تفوّق العامل الاجتماعي373. الا ان (هوريو) رأى ان للفرد مبادراته ايضاً. فهو يستطيع ان ينظم المؤسسات الاجتماعية وفقاً للاهداف المقصودة، وانما يخدم علم الاجتماع في هذا المجال (معرفة طبيعة المؤسسات ـ مثلاً ـ). وكانت تلك خطوة تراجعية عند (هوريو) عن ذلك المخطط الذي رسم «دور كايم» وسائر رواد علم الاجتماع له، حيث زعموا: ان مسؤولية القانون هي دراسة ما هو واقع فعلاً في المجتمع، وان واضع القانون هو الشعور الجمعي وبالتالي فانّ تكوّن القانون يتم عفوياً. بينما نجد (هوريو) يتراجع اولاً: من مستوى المجتمع الكبير الى مستوى المؤسسات الاجتماعية وثانياً: يعطي للمبادرات الفردية دوراً في تنظيم هذه المؤسسات (مثلاً تكوين الجمعية أو الحزب أو النقابة على اساس اهداف واضحة). ولكن تبقى المشكلة عند (هوريو)غير محلولة، إذ انه قيّد علم القانون ولم يفرق بين مجال علم الاجتماع ومجال القانون حيث ان علم الاجتماع يدرس ما هو «قائم» بينما علم القانون يدرس ما «ينبغي» ان يكون، وهكذا انتقده «جيني» الخبير القانوني المعروف، لأنه لم يفرق بين الواقع (وهو مجال علم الاجتماع) والحقيقة (وهي مجال علم القانون) وانه فقط كان يهتم بدراسة الظاهرة الاجتماعية دون التبصّر فيها374. وهكذا تراجع علم الاجتماع خطوة اخرى على يد(ج.ديفي) الذي تأثر بهذا النقد واصرّ ان منهج علم الاجتماع لا يستعبد المثل العليا، ولكنه زعم ان هذه المثل تتجلى في المجتمع. وهكذا يجب ان نبحث في المجتمع، لكي نكتشف تلك المثل. ولكن المشكلة الحادّة تبدو غير محلولة بهذا الاسلوب ايضاً إذ يبقى السؤال العريض: هل الانسان الفرد مغلول اليدين، ولا يقدر ان يناضل من اجل العدالة. وإن عليه ان ينتظر مصيره المكتوب على جبين مجتمعه؟ بتعبير آخر ما دور الفرد في حركة المجتمع؟ هل هو دور انفعالي سلبي؟ أم دور فاعل؟ وفي مجال القانون هل على رجل القانون ان يناضل من أجل مبادئ سامية، أم انه يسجّل فقط الظواهر الاجتماعية ويستنبط منها بعض القواعد القانونية؟. يبدو ان علم الاجتماع يتراجع مرة اخرى خطوة على يد(ج. كورفيتش) الذي ابتدع نظرية «الحادث التنظيمي» حيث: ان الفرد يستطيع ان يناضل من اجل المثل العليا، عبر اندماجه الفكري والروحي بمنظمة يتفاعل الفرد معها وينشط من خلالها, وهي تعمل بصفتها مؤسسة اجتماعية في سبيل المثل العليا. ولكن هذا الاندمالج، ليس عبر العقد والالتزامات المتبادلة بين افراد المنظمة (مثل تنظيم الشركة). ولا عبر الضغط (مثل تنظيم الجيش) ولكنه بالاندماج الروحي والفكري الفاعل والحيوي. ولا ريب ان هذه النظرية تعترف بدور الفرد في حركة المجتمع، ولكنه دور خجول وغير واضح. فمثلاً لم تحدّد هذه النظرية من يبادر الى تأسيس هذه المنظمة، وكيف يتم الاعلان عنها والدعوة اليها، ثم هل هذه هي المنظمة الوحيدة التي تؤثر في حركة المجتمع؟ أم إنّ هناك منظمات من انماط اخرى ـ مثل منظمات العقد الاجتماعي الذي يشترك الافراد فيها على اساس تبادل المصالح وما اشبه. وهكذا يبدو: ان هناك حاجة الى المزيد من الخطوات لتصحيح مسيرة علم الاجتماع، ليجد مركزه المناسب بين العلوم، ويتراجع عن التضخم الذي اصابه على يد دوركايم. بلى، نظريات (دوركايم) الاجتماعية ومساهمات علم الاجتماع في القانون، جعلت علماء هذا الحقل، على دراية افضل بمراحل تكون القانون الوضعي. فدراسة المجتمع ومؤسساته وديناميكيّاته وقوانينه، تعتبر هامّه في فهم اتجاهاته وقيمه واعرافه وآدابه. وفهم هذه الجوانب من حركة المجتمع، يساهم في سلامة القانون الذي يوضع. ولكن القانون لا يولد من رحم المجتمع الا بعد تطعيم المجتمع بالمثل الأعلى الذي يعبتر بمثابة اب القانون، وبتعبير آخر: أرضية القانون هي الواقع. ولكن البذرة الحقيقية له هي المثل العليا. وإذا كانت حركة الواقع عفوية وجمعية وتخضع لدراسة علم الاجتماع، فان زرع بذرة المثل فيه، يتّم بحركة واعية، وفي الاغلب بمبادرة فردية. وهنا يتمايز ـ بنسبة معينة ـ دور المجتمع عن دور الفرد، وهذا التمايز يتجلّى أكثر فأكثر في وضع القانون. فوضع القانون عمل ارادي واضح تماماً بالصورة التي بينها (المذهب الارادي) ولكنه يخضع ـ بدوره ـ لعوامل سابقة للوضع، هي في اكثرها عوامل اجتماعية. والآن ـ حيث عرفنا جانباً من منطلقات المذهب الاجتماعي وتطوراته دعنا ندرس البتود الثلاث الأساسية التي سبقت. الف ـ العرف مرحلة سابقة للقانون ومن هنا، فان العرف الاجتماعي السائد لا يتمتع بصفة قانونية. الا اذا وافق النصوص القانونية الموضوعية، أو حين يقوم العرف بدور تفسير تلك النصوص. ذلك ان العرف ليس في درجة القانون، بل في درجة ادنى منه، ولذلك ليس له قيمة القانون، خصوصاً اليوم، حيث تعقّدت العلاقات وتسارع تطورّها وكثرت وتشابكت الصراعات، مما يستدعي جهازاً متطوراً لارادته، يتمثل في الجهاز القانوني، ولا يمكن الاعتماد فيه على العرف، الذي ينقصه الوضوح والثبات والشرعية الكافية. بلى.. يمكن ان يصبح العرف مادة تشريع القانون، وذلك عبر ضغطه الاجتماعي على اجهزة وضع القانون (البرلمان مثلاً) واستصدار قانون مناسب له. وهكذا نستدلّ ـ بذلك ـ ان العرف حالة قبل القانون ومادة تشريع القانون أو منهج تفسيره. يقول «باتيفول»: ان تعدد القضايا الحديثة، ولا سيّما في القانون التجاري، وقانون العمل يوجد بانتظام حلولاً عفوية قبل تدخّل المشرع والحاكم، ولكن قيمة هذه الحلول منوطة في الرأي العام بانطباقها على مبادئ القانون القائم، أي على احتمال تأييدها من قبل القانون أو الحاكم بواسطة تسوية محتملة، أو عند الاقتضاء باجراء انقلاب في المبادئ النافذة ولكن الجهاز المختص375، هو الذي يقرر هذه التجديدات في القانون الحكومي376. ويضيف: فما دامت الدولة تتولّى مهمة التشريع، وتتمتّع بالقوة التنفيذية لغرض احترام ارادتها، فلا وجود للعرف الا بموافقتها الضمنيّة والصريحة وينشأ الوهم377، بسهولة عندما يؤيده المشرع أو المحاكم، فيبدو وكأنه القانون النافذ دائماً، اما اذا ردّته هذه الاجهزة فانه يفقد كل قيمة كان يتمتع بها378. وهكذا نعرف ان العرف من مكوّنات القانون وهو مستقر في مرتبة ادنى للقانون وليس في رتبته ولذلك فهو مرحلة سابقة للقانون. واذا كان العرف في هذه المرتبة، فالسابقة القضائية ـ بالاخرى ـ لن تكون في مستوى العرف انّى كانت مفيدة، ومن هنا فجعل القانون والعرف والسابقة القضائية في مرتبة واحدة، كما فعل (گورويج) يعتبر خلطاً بين مراحل التشريع يقول گورويج: القانون الذي تشرّعه الدولة يعتبر فقط قسماً ضئيلاً من الظواهر القانونية، كما لو كانت (تشريعات الدولة) بمثابة خليج صغير من البحر، وتلك الظواهر تحتوي على كل القواعد الناشئة في المجتمع، بينما الحكومة لا تتصور حتى وجودها379. باء ـ دراسة القانون عبر الظواهر الاجتماعية لعلّ المساهمة الفعّالة لعلم الاجتماع في التشريع القانوني، كانت في هذا البند من منهجه، حيث أوصى بدارسة الظواهر الاجتماعية لاكتشاف القانون المناسب، ولا ريب ان تقدم علم الإحصاء والمسح الاجتماعي، وتطور وسائل مراقبة الظواهر الاجتماعية، كل ذلك ساهم في أهمية هذا البند، واليوم لم يعد أحد يجهل مدى علاقة التشريع بوعي حركة المجتمع، ومعرفة تطوّراته. وحتى ـ في السابق ـ حيث كانت الوسائل بدائية. فقد ساهمت دراسة الظواهر الاجتماعية في وضع تشريعات مناسبة، ويضرب (باتيفول) مثلاً على ذلك ويقول: ان نموّ الثروة العقارية في القرن التاسع عشر قد اخلّ بتوازن النظام القانوني في اشتراك الزوجين في ملكية العقارات والاموال المشتركة خلال الحياة الزوجية 380 ولكن مساهمة هذه الدراسة في التشريع لا تزال بسيطة، ولعدّة اسباب: اولاً: لأن علم الاجتماع لا يزال يحبو في طريق اكتشاف المجتمع، ويبدو ان الطريق امام البشرية طويل حتى تكتشف نفسها والقوانين الحاكمة عليها. ثانياً: ان المجتمع يتأثر بالإعلام والتوجيه وبالقانون ونمط الحكم وما أشبه. فلا يعرف عالم الاجتماع ان الظاهرة السائدة في المجتمع، تمثل ـ حقيقة ـ مصلحة المجتمع، أو ما يتوهّم كذلك. ثالثاً: ايّ مستوى من المجتمع يجب ان تدرس؟ وأيّ شريحة تقدم على الاخرى؟ هل التيارات العميقة أم السطحية يجب ان نأخذها بعين الاعتبار؟ وأيّ مصلحة تقدم على غيرها؟ مثلاً هل حرية الرأسمال وتشجيع المبادرات الفردية وبالتالي حركة السوق؟ أم حقوق العمال ونشر العدالة وتوجيه الاقتصاد؟ إذا اخترنا ايّ تيار على غيره، وايّة مصلحة على ما سواها، وفلا بد ان يكون هذا الاختيار بمعيار وذلك المعيار هو الذي يتحكّم في دراستنا، ويوجّه بحثنا، ولا يكون ـ بالتالي ـ بحثنا بحثاً تجريبياً محضاً ـ كما يريده علماء الاجتماع ـ عن هذا التناقض يقول باتيفول: ويتوقف الحكم التقديري الواجب اتخاذه على اعتبارات اجتماعية، ما هي المصالح التي هي اكثر جدارة بالحماية من الناحية الاجتماعية؟ وما هو التيار الاعمق اجتماعياً والذّي قد يؤدي تجاهله ان عاجلاً أو آجلاً الى نزاعات لا يمكن التغلّب عليها؟ ولكننا 381، نخرج بذلك عن مجرد قراءة الواقع ونلجأ الى تكوين فكرة عن المجتمع، والاهداف التي يجب ان نتوخاها، والى تحليل طبيعته العميقة، وبذلك تنتجاوز الملاحظة المجردة382. والواقع ان اكثر علماء الاجتماع تطرفاً عن الناحية النظرية لم يتخلصوا من تحليل عقلي في ملاحظاتهم الاجتماعية، مما يدعونا الى الاعتقاد بأن الملاحظة المجردة لا تكفي، بالذات حينما نريد ان نستنبط منها قاعدة قانونية عامّة، من ذلك مثلاً «دوركايم» الذي افترض في كتاباته: وجود فكرة مجردة عن العدل، وبذلك اقترب من المذهب الطبيعي (والعلوي) وهكذا تراه يؤكّد بوضوح: ان ارادة المتعاقدين، لا تستطيع ان تخرق هذه الفكرة، لماذا (يقول): لأن اتفاق الاطراف لا يستطيع ان يجعل شرطاً عادلاً ما هو ليس كذلك، بنفسه، وتوجد قواعد من العقد، تجب مخالفتها، حتى ولو اتفق على ذلك اصحاب الشأن 383، وهكذا نجد (إم، موس «M. MAUSS») الذي يعتبر احد علماء الاجتماع وهو صهر (دوركايم)، انتهى الى القول: بوجود اخلاق أبدية خالدة تتمثل في فكرة العدل التبادلي، والتي تتمثل في حكمة واحدة وخالدة في الاخلاق، وهي إعِط بقدر ما تأخذ، وكل شيء سيكون حسناً384. وهكذا نجد الاستاذ «كاربوفييه» الذي يدرس علم الاجتماع القانوني في جامعة باريس يتساءل: عمّا إذا كان هناك نوع من القانون الطبيعي سيطفو من جديد في القانون عن طريق هذه القناة385. وهو يعني بتلك القناة علم الاجتماع، ويستشهد (د. تناغو) على ذلك بما اعترف «جيرفتش» حيث اكّد: على اهيمة فلسفة الاخلاق عند «شيلر» وحيث نجد علماء الاجتماع يصلون الى صياغة بعض القواعد الاخلاقية المطلقة، التي لا يمكن ان تكون التجربة هي مصدرها الوحيد، والتي لا تتّفق ـ على ايّ حال ـ مع النسبية لاتي يقوم على اساسها علم الاجتماع386. وهكذا نجد خبيراً اجتماعياً مثل «گورويج» الفرنسي، يلجأ الى منهج الإشراق بحثاً عن قواعد قانونية، ويعتقد ان القاضي يمكن ان يجعل نداء الضمير والشعور بالعدالة الذي ينطوي عليه قلبه، يجعل ذلك اساس حكمه، وبالرغم من انه يزعم ان هذا الضمير هو انعكاس للقواعد التي يضعها المجتمع، الا ان النتيجة هي العودة الى الوجدان، والى فطرة العدالة فيه، وهي ـ بالتالي ـ ذات النتيجة التي ارادها المذهب الطبيعي في القانون387. القانون بين ضغط المجتمع وارادة المشرع: وهنا يجدر بنا ان ندرس العلاقة بين الارادة والتشريع، فهل التشريع ظاهرة اجتماعية محضة ولا دخل لارادة المشرع فيها؟ أم هو مجرد ارادة لا أثر للعوامل الاجتماعية فيها؟ أم هو مزيج من الأمرين؟ لا ريب ان التشريع وليد التواصل بين الارادة والمؤثرات معاً، فلا احد من علماء الاجتماع ينكر ايّ دور للارادة في التشريع (ولكنهم يقلّلون من اهميتها) كما ان اتباع المذاهب الاخرى (الإرادية والصورية أو الطبيعية) لا ينكرون دور المؤثرات الاجتماعية بوجه الإطلاق ولكنهم لا يأبهون بها، لأنهم يزعمون ان ذلك الدور ضئيل. ولكن يبدو ان القوانين تختلف، فمنها ما هو صنيعة المجتمع، بصفة رئيسية، ولا تقوم ارادة المشرع الا بدور ثانوي انفعالي، مثل قوانين الزواج في المجتمعات التقليدية المحافظة، فان المجتمع بما له من اعراف وقناعات، هو الذي يختار أبعاد هذه الظاهرة، بينما القانون يؤطرها ويبلور ارادة المجتمع في صيغ محددة. كذلك قوانين الاقتصاد في مجتمع منفتح وبالذات في لحظات التحوّلات الاقتصادية الكبرى (مثلاً بداية العصر الصناعي في أوربا أو مع طلائع المهاجرين الى أميركا) عندئذ ترى المشرع يلهث وراء المجتمع الذي يندفع الى الأمام بوتيرة متصاعدة. أما في مجتمع محافظ، وبالذات عندما تتصل طلائع المتّففين فيه، بحضارة ناهضة (مثلاً في التقديم اوربا مع النهضة الاسلامية، واليوم بلادنا مع النهضة الاوربية) فان المشرع يقوم بدور مزدوج، بعث الفكرة الحضارية من اجل إصلاح المجتمع بها، ثم ترسيم هذ الفكرة في صورة قوانين، بينما ترى ذلك المجتمع يتلقّى وينفعل ويتأثر، وهكذا يكون دور ارادة المشرع اكبر من دور المجتمع. ويفسّر هذا الامر ظاهرة نقل القوانين من بلد الى بلد. فكثيراً ما يستورد القوانين الوضعية من بلد الى ما يناقضه، دون أن يؤثر ذلك فجوة كبيرة. كما كان يظنّ «منتسكيو» في كتابه الشهير «روح الشرائع». وحسبما يقول (باتيفول): ان ظاهرة قبول احد الأنظمة القانونية في البلد الذي يقتبسه من بلد آخر «كإقتباس القانون الروماني في ألمانيا، والقانون السويسري في تركيا، والشريعة الاسلامية، أو الهندية في بعض الانظمة الاوربية» تشير ايضاً على عدم الوضوح المنشود388. أما في المجتمعات المستقرة كالمجتمعات الاوربية، الآن، فإن تأثير الظاهرة الاجتماعية لا يقلّ عن تأثير ارادة المشرعين، بل عادة ما تفوقها، ولعل علماء الاجتماع ـ الذين انبهروا بالمنطق الوضعي (لا وجيست كونت)، وبالذات بمنهجه في المتغيرّات ـ لعلّهم عكسوا حالة بلادهم بنسبة معينة، دون ان يكتشفوا قاعدة اجتماعية قابلة للتطبيق في كل مكان وهذا أحد الادلّة الشاهدة على ضعف هذا المنطق. جيم ـ المذهب الاجتماعي والقانون الحكومي حسب المذهب الاجتماعي الذي يجعل القانون ظاهرة اجتماعية، ولا يعطي لارادة المشرع دوراً اساسياً، يختلط القانون الحكومي مع قانون الجماعات غير الحكومية (جمعّيات سرّية ـ عصابات إجرامية). فاذا كان القانون عرفاً مرسماً، أو بلورة للعرف الاجتماعي، فان نظام العلاقة بين أبناء هذه الجمعيات، أو العصابات لا بدّ ان يعتبر قانوناً، كما يعتبر نظام الدولة الحاكمة قانوناً، مع فرقاً اساسياً يفصل بينهما هو: ان اقصى عقوبة تفرضها الجمعية السرية تتمثل في اقصاء العضو المتمرد عن الجمعية، وحرمانه من الانتقاع بخيرات الجمعية، بينما الدولة، تملك قوانين متكاملة قد تتمثل في استعادة الحق من المتمرد (غرامات، ديات) وهكذا اعتبر البعض هذه النقطة ثغرة في المذهب الاجتماعي فقال باتيفول: ويفهم ايضاً من الرابطة المذكورة: ان كل مجتمع ينُشئ قانوناً، وان هذه اللفظة تتناسب قواعد تنظيم أي جماعة، وفي الواقع، يهتم القانون على الخصوص بالقانون الحكومي، ويشعرون غالباً ان القانون الذي ينظم شؤون شركة أو ناد يعد امراً تافهاً، كما ان النظام الخاص بعصبة من الاشقياء لا يستحق ان يحمل إسم القانون389. ولكن علينا التفريق بين البحث عن جوهر القانون، ومصدر نشأته، والعوامل المؤثرة فيه. وبين البحث عن خصوصيات القوانين. ويبدو ان المذهب الاجتماعي يعني بالجوهر واذا لا يعدّ هذا النقد امراً اساسياً بالنسبة اليه. بل يمكن الدفاع عنهم بالقول: وما للقانون درجات ثلاث: ما ينظّم علاقات جماعات، وما ينظم علاقات المجتمع، وما ينظم علاقات دول. والقانون الاسمى هو الاخير. والاكمل هو الوسط. بينما الأول هو الأبسط. وانّنا نشهد اليوم تنامي القوانين الدولية بالرغم من انها تحتاج الى ترسيم افضل، وقدرة تنفيذية اكمل. كما ان انتشار بعض الجماعات (بالذات الاقتصادية مثل الشركات الدولية متعددة الجنسيات) جعل قوانينها اقرب الى قوانين دولة، في الوقت الذي نرى ان بعض الدول تفتقر الى الحالة القانونية. وهي اشبه بعصابة مقتدرة من كونها دولة قانونية. ومن هنا فان هذه المفارقات لا تؤثّر في النظريات الخاصة بدراسة جوهر القانون ومصدر نشأته. المذهب الاجتماعي والغائية القانونية: لقد كان دأب علماء الاجتماع في فرنسا، جعل القانون تلميذاً في مدرسة المجتمع. فلكي نملك قانون افضل، فللينا ـ حسب رأيهم ـ ان نسجّل حركة المجتمع ونشرّع قانوناً مستوحاة منها. ولكن علماء الاجتماع في أميركا، وبالذات (رسكوباوند)، جعلوا علم القانون وسيلة تهدف تحقيق غاية اجتماعية حيث قالوا: لكي نشرّع قانوناً افضل، فلا بدّ ان نراقب حركة المجتمع، وندرس مصالحه ونقنّن هذه المصالح ونهندسها، ضمن قوانين تقود المجتمع الى اهداف محددة وهكذا فانهم لا يتصورون القانون ـ في نهاية الامر ـ بمثابة نتيجة للوقائع، وانما يرون انشاءه وفقاً للاهداف المراد تحقيقها، (و) ان تحديد هذه الاهداف (يتم) بمقتضى اعتبارات اجتماعية390. ويتوضّح ذلك اكثر فأكثر في العلاقة بين القانون والمجتمع عند الدول الماركسية، التي تعتقد ان عامل الاقتصاد يهيمن على حركة المجتمع، وان القانون يجب ان يكون تابعاً لهذه الحركة، فأتخذ القانون وسيلة للتغيير الاجتماعي حسب اهداف محددة سلفاً. وبكلمة: حسب وجهة نظر الماركسية، والواقعية الجديدة في أميركا (باوند): لا يكتفي القانون بتسجيل ملاحظات اجتماعية، وانما يتدخّل في المجتمع ابتغاء الحصول على نتائج محددة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|