فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الرابع: قيم التشريع
1/ لماذا البحث عن قيم التشريع؟

2/ الاهداف القريبة او المطلقة
3/ اهداف القانون: الفرد أو المجتمع
4/ الامن والعدالة والخير العام
5/ المصلحة العامة
1/ لماذا البحث عن قيم التشريع؟
بعد البحث عن المذاهب المختلفة في مصادر التشريع القانوني. يبدو البحث عن قيم التشريع بحثاً ضرورياً، ليس فقط على اساس المذهب السائد اليوم، والذي يرى: ان القانون يجب ان يشرّع من أجل اهداف واضحة ومدروسة. بل وحتى عند اتباع العديد من المذاهب القانونية الاخرى، التي سبق الحديث عنها، وعن دور الأهداف فيها، وفيما يلي بيان موجز عن ارتباط تلك المذاهب بالبحث عن الاهداف.
اولاً: لأن المذهب الارادي يرى: ان القانون تعبير عن ارادة المشرع، فانه يثير السؤال: ما الذي استهدفه المشرع الّذي أراد هذا القانون؟ اذ من المعلوم ان المشرع لم يضع القانون عبثاً واعتباطاً وانما ابتغى هدفاً من وراءه، وفي غير هذه الصورة يصبح التشريع عملاً عاطفياً أو عبثياً. ومن هنا توصل الفقيه القانوني (ييرينغ) ـ وهو اشدّ من ينادي بدور الارادة في القانون ـ الى الاقتناع بأن فكرة الهدف هي التي تعطي من حيث النتيجة ـ مفتاح تكوين القانون392.
ثانياً: المذهب الاجتماعي، يختلف باختلاف المؤمنين به، فمنهم من يرى القانون ظاهرة اجتماعية عفوية تماماً. فهم لا يأبهو بأهداف المجتمع من وراء القانون ولكن اكثر اتباع هذا المذهب يجد البحث عن اهدافه مفيداً. لأن هذه الظاهرة ليست عبثية ولا عاطفية بل هي تعبّر عن بشر عقلاء يريدون الوصول الى نتيجة، فما هي تلك النتيجة (الهدف أو القيمة).
اما علماء الاجتماع الاميركون (كما المقنّنون الماركسيون) فقد اهتموا بنتائج التشريع كثيراً، لأنهم وجدوا ان الذين يتخذون القرارات لا بدّ ان يختاروا بين اهداف مختلفة فيختاروا بعضاً على آخر، فاذاً عليهم ان يدرسوا تلك الاهداف لتسهيل عملية الاختيار393.
ثالثاً: اما المذهب الطبيعي الذي يؤمن بمبادئ خالدة يعتمدها المشرع في التقنين فانهم ـ بدورهم ـ يبحثون عن اهداف التشريع لماذا؟ المبادئ الخالدة هي اهداف عليا سامية ولا تتحّول الى تشريع فعلي من دون تطبيقها على الحوادث والمتغيرات. فلا بد ان يعرفوا كيف يفصلون تلك المبادئ العليا تفصيلاً يسمح لهم بوضع قوانين تصدر منها، وهناك يجدون الصعوبة، لأن تلك المبادئ لا تختلف عندما تكون مطلقة وعامة، ولكن عند التفصيليات تجد الاختلاف واضحاً، والبحث لحلّ الاختلاف ضرورياً.
رابعاً: المذهب النفعي يختلف ـ بدوره ـ الى اتجاهين، الاتجاه الذي يزعم ان مصلحة الفرد هي الاهم، واتجاه يرى ان سعادة كل فرد لا تتحقق الا بسعادة الجميع. ويبدو ان الاتجاه الاول يعود الى هذا القول بالتالي. وهكذا يجب البحث عن السعادة الجمعية كيف تتحقق؟ وما هي الاهداف التي لو تحققت بلغت البشرية ذروة السعادة؟ وهذا هو المطلوب في بحث القيم.
خامساً: المذهب الصوري (كلسن) لا يأبه بالبحث عن اهداف القانون. ولكنه انما يترك البحث عنها لأنها تثير الجدل ولا تصل الى نتيجة واضحة، ولأنه لا يرى ان ذلك هي وظيفة المقنّن إذ انه يركّز نظره في صورة القانون، وليس في اصوله ومحتوياته. وهكذا فإنه لا يخالف البحث عن اهداف القانون بحثاً مستقلاً عن البحث القانوني.
وكلمة أخيرة بالرغم من اهمية معرفة غاية القانون وقيمه المثلى. فان كتب التشريع خلت سابقاً عن هذا البحث المهم تقريباً اللهم الا في الفترة الاخيرة، والسبب: ان البحث عن الاهداف يرجع الى الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم السياسة اكثر مما يعود الى علم القانون، وكما يقول (باوند): ان وضع القانون أو العثور عليه، سمّه ما شئت، يفترض وجود صورة عقلية لما يعمل المرء، وللسبب الذي يعمل من اجله. ومن ثم كانت طبيعة القانون هي ساحة الصراع الاساسية لعلم القانون منذ ان ابتدأ الفلاسفة الإغريق يجادلون حول اساس سلطة القانون، ولكن غاية القانون قد نوقشت في علم السياسة اكثر مما نوقشت في علم القانون394.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب