فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
2/ الاهداف القريبة أو المطلقة
رسكو باوند يرى البحث العميق عن الاهداف السامية للقانون بحثاً عقيماً.
يقول عن ذلك: ولقد جهد الفلاسفة لاكتشاف طريقة تؤدي الى معرفة الاهمية الذاتية والجوهرية للمصالح المختلفة، بحيث يمكننا ذلك من وضع قاعدة مطلقة، نستطيع بموجبها، ان نؤمن سيادة المصالح ذات الأهمية والوزن الكبير، ولكنني متشكّك في امكان التوصل الى حكم مطلق بهاذا الشأن، فنحن نواجه ـ في هذا الصدد ـ قضية فلسفية سياسية واجتماعية اساسية395.
والادلّة التي يسوقها (باوند) ومن رأى رأيه لإثبات ذلك هي التالية:
اولاً: ان الاختلاف شديد في الاهداف السامية فإذاً دعنا نتركها جانباً، ونهتم بما لا خلاف كبير فيه، من الاهداف القريبة.
ثانياً: ان المشرّع يبحث عن اهداف بعيدة، ثم يختار منظومة منها، ويشرّع قوانين على اساسها، ويريد من الناس ان ينفّذوها، فهل الناس هم ايضاً مقتنعون بتلك الاهداف، أم عليهم ان يتقبلوا قوانين لا يؤمنون بأهدافها؟
هكذا يقول المعترضون ويضيفون: ان وضع القوانين على اساس الاهداف البعيدة، يعتبر نوعاً من الديكتاتورية وتحميل الناس ما لا يقبلونه.
ومن هنا كان المشرع يعمل باستمرار بغايه تحقيق هدف قريب أو فوري، كتجنب خطر ماثل، أو اضطراب اكيد، أو حاجة صريحة. وحتى عندما يتناول الموضوع توقّعات بعيدة المدى فان الاتفاق يتمّ على نتيجة اقرب، حينما يكون ذلك ممكناً، فالقوانين التي الغت تدريجياً حق إلاشراف الذي منحه القانون المدني الى الوالدين على زواج اولادهم البالغين، تستند الى اعمال تحضيرية تميط اللثام بايجاز، عن اتفاق عام في الرأي العام المعاصر، حول حرية زواج البالغين، كان هذا القريب كافياً، دون تحقيق لاحق لابراز مفهوم الاسرة ودورها. أما مبدأ الزواج من امرأة واحدة، فهو مقبول حتى في مؤلفات القانون المدني دون التساؤل عن أسبابه الموجبة396.
ولكن يبدو ان هذه الادلّة وسواها، لا تقوى على الميل الفطري العنيف عند الانسان لمعرفة الحقائق المطلقة وتنظيم حياته وفقها. والاهداف البعيدة التي لا تعرف الا ببحوث عميقة تهدف وعي الحقائق الكبرى.
ثم ان اثارة هذه الاهداف لجدل كبير، تزيدنا اصراراً على التعمق فيها، لأنها موضع اهتمام الناس، ولن يكون شيء كذلك الا لأنه هام ومفيد.
ثم ان ترك ما يهتم به الناس ويبنون عليه حياتهم، نوع من الاستهانة برأيهم. اما لو ان مشرعاً اقام نظامه القانوني على اساس فلسفة معيّنة، وبيّن للناس ذلك، كان الناس احراراً في القبول بتلك الفلسفة والقانون القائم على اساسها، أو رفضها معاً، وليس في ذلك من الديكتاتورية شيء.
مضافاً الى ان طبيعة القانون هي الاخرى ـ كما فلسفة القانون ـ محور اختلاف الناس فهل نترك البحث فيها ايضاً.
من هنا لم يلق هذا الموقف تأييد جميع المفكّرين إذ ظلّ البحث عن الاهداف المقبولة يشغل اذهانهم397.
والسبب في ذلك ـ حسب باتيفول ـ انه قد يثار الاعتراض على هدف مقبول بشكل عام في ظروف يتم التساؤل هل ما زال يستحق متابعته، وما هي بالتالي قيمته. 398.
ويضرب لذلك مثلين:
الاول: عن الحياة التي هي قيمة معترف بها، ولكن هل هي تبقى قيمة في وقت يتعرّض الانسان لآلام مبرحة (المريض الذي لا يرجى شفاءه) أو المعتقل الذي لو ابقى على حياته اعترف على زملاءه الذين يؤخذون ويقتلون وما أشبه فهل الحياة تبقى ذات قيمة ايضاً.
الثاني: ولد الزنا هل تجب نفقته على والده باعتباره بريئاً والعدالة تقتضي عدم اخذ البريء بجريمة غيره، أم لا ينفق عليه، لكي لا يصبح الزنا مشروعاً فيؤثّر على نظام الاسرة. وهكذا يحصل النزاع بين اهداف متعدّدة ومتقاربة ليطرح التساؤل الذي يقتضي بحثاً عيمقاً في سلّم الاولويات في الاهداف399.
ومثل ثالث معروف: هنا صراع ابدي بين قيمتي الأمن والحرية. وحدود كل واحدة منهما مما يستدعي بحثاً عميقاً في الاهداف.
والبحوث العميقة لا تبقى عقيمة دائماً، بل كثيراً ما يصل العلم فيها الى نتائج قطعية، بسبب تقدم العلم واقامة ادلّة قاطعة على احدى النظريات، وحسب باتيفول: فان بعض النتائج التي تعدّ اليوم علمياً قد تعرضت لمناقشات حادة ومضطربة، حتى اليوم الذي برز فيه برهان قاطع على صحة إحدى التأكيدات التي كانت موضع جدل 400.
وهكذا ينبغي ألا يدعونا تعدد القيم، واختلاف الناس في اختيارهم لقيمة على اخرى، الى ترك البحث فيها جانباً. بل الى المزيد من الدراسة وذلك لسببين:
اولاً: ان كل محاور البحوث العلمية تختلف النظريات فيها فاذا كنّا نترك كل محور مثير للاختلاف اذاً لما تقدم العلم.
ثانياً: لأن القيم هي محتوى كل قانون. سواء اعترفنا بذلك أم لا. فالمدرسة الوضعية التي تزعم نسبية القوانين لا يمكنها الادعاء بان القوانين التي تشرع لا قيمة في محتوياتها. أو بتعبير آخر لا هدف لها، بلى يمكنها ان تقول: دعنا لا نبحث عن محتواها وهذا هو رأي المدرسة الصورية التي تخالفها المدرسة الوضعية.
ان كل من وضع قانوناً منه هدفاً. والبحث عن ذلك الهدف هو المراد من البحث عن القيم وسواء كان هذا الهدف مثيراً للجدل أو معترفاً به من قبل الجميع. وسواء أمكن الاستدلال عليه أم لا فهو موجود خلف كل قانون، وانما المعترضون على بحث القيم، يريدون اضفاء قدسية زائفة لصورة القانون، وعدم البحث عن مضمونه، يقول باتيفول: فالذين يصرّون على ذلك (ترك البحث عن القيم) بالاضافة الى اغلبية الاشخاص غير الملمين بالقانون، يضعون يقين القانون في الصف الاول من اعتبارهم، وينظرون الى الموضوع نظرة آليّة ويريدون ان يكون (القانون) مجموعة قواعد لا يتعرض مضمونها الى أي جدل، ويكون تطبيقه آلياً لا يدع مجالاً لأيّ تقدير401.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب