فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
3/ اهداف القانون: الفرد أو المجتمع
الف ـ المدرسة الفردية
تقول هذه المدرسة مصدر الحق ارادة الانسان، واعظم قيمة هي حريته. والفرد يسبق المجموع. والقانون وضع لحمايته، ولا معنى لمجتمع لا يحمي حرية الفرد. وانما يعيش الفرد ضمن المجموع بحريته. وهكذا يتنازل عن بعض حريته من اجل تحقيق هذا الهدف. فاساس بناء المجتمع العقد (تنازل الفرد عن بعض حريته مقابل تنازل الآخرين عن مثلها للوصول الى هدف افضل).
وكل القوانين تستمد شرعيتها من اعتراف الفرد بها. وحتى قوانين الارث والجنسية تستمد قوّتها من انها تحظى باعتراف ضمني من قبل الفرد.
وانما القانون منظم للارادت الحرّة. وكما ان العقد ينظم علاقة فرد بفرد كذلك ينظم علاقة الفرد بالامة.
وذهب بعضهم الى ابعد مدى، حيث اعتبر الدولة ذاتها غير ضرورية، وامتدح اليوم الذي كان البشر يعيشون أفراداً وبلا حكومة.
والنظرية الفردية ـ التي بلورتها نظريات «كانت» واكّدها ميثاق حقوق الانسان، ودافع عنها بعاطفة جياشة (رسو) ـ هذه النظرية، كانت ذات جذور موغلة في القدم، مع نظريات السوفسطائيين والابيقوريين، وربما الثائرين عبر التاريخ.
من هنا تجد بعضهم يعتبر الحرية الخير الاعظم وان كل قانون شرّ402.
وهكذا مضت هذه النظرية على ثلاثة اسس سياسية واقتصادية وقانونية.
أولاً: سياسياً.
الدولة ناشئة ارادة الامة. وعليها تحمي حريات ابنائها بكل قدر ممكن. فحرية البيان (الصحافة) وحرية المهنة. وحرية السفر والإقامة، وحرية المبدأ والعقيدة، وغيرها مكفولة سياسياً.
والسلطة هي للشعب، وانما تبقى الحكومة مادام الشعب راضياً (ومبايعاً لها ضمن العقد الاجتماعي) فاذا حجب الشعب ثقتهُ سقطت الحكومة.
ثانياً: اقتصادياً.
التنافس الحرّ اساس الاقتصاد، ويؤدي الى صالح المجتمع. ولا يجوز للدولة ان تتدخل في عقود ومعاملاتهم، وانما السوق (وقانون العرض والطلب) تحدد الاسعار، وعلى الدولة ان تضمن الأمن فقط. ولا تتدخل في الاسعار.
ثالثاً: قانونياً.
كلما استطعنا ان نقلّص صلاحية القانون، فهو افضل، لأن القانون شرّ لابد منه، واساس القانون ارادة الانسان. والعقد تعبير عن هذه الارادة. وهو شريعة المتعاقدين، والملكية الفردية محترمة الى اقصى حدّ. والنظام الاسري مقبول في حدود ارادة الزوجين403.
نقد النظرية الفردية:
انتقدت النظرية الفردية على اساس منطلقات ثلاث:
أولاً: منطلق النظرية المعاكسة لها وهي اصالة المجتمع حيث زعموا ان المجتمع وليس الفرد أساس القانون. وسوف ندرس هذه النظرية في فصل آت انشاء الله.
ثانياً: صحيح ان الفرد اصل. وان المجتمع تركيب من عدد من الافراد، ولكن حقوق الآخرين المفروضة على الفرد كثيرة، مما تجعل الفردية تتلاشى في الحالة الاجتماعية.
فاذا كنا نبحث عن قيمة العدالة، فإننا لن نحصل عليها بتقديس الفردية. لأنها تؤدي الى تغلب القوي على الضعيف. واذا كنا نبتغي الرفاه، صلاح الافراد في تنظيم علاقاتهم بالمجتمع اكثر فأكثر. ولولا فائدة الحياة الاجتماعية اذاً ما إلتئم جمع الناس.
ومع تعقّد الحياة وتقدم التكنلوجيا، وتنوع الاخطار التي تهدد البشرية لم يعد القانون شراً لا بد منه كما قالوا بل ضرورة عظيمة الفائدة وهكذا ازداد عدد القوانين في الدول القائمة على اساس الحرية الفردية، زيادة مضطردة.
وجوهر نظرية (الفردية) هي الفكرة التالية ان العقد يعبّر عن الارادة، وان الارادة تمثل الشرعية الوحيدة، وان الحياة التي لا حرية فيها لا تسوى شيئاً.. ولنا عليها اكثر من ملاحظة:
اولاً: العقد يعبر دوماً عن الارادة الحقيقية، فالمضطر الذي الجأته الظروف القاهرة لقبول عقد، تراه يتقبله ظاهراً، وقلبه يكرهه اشدّ الكراهية. ومثل ذلك: العمال الذين دعتهم الحاجة الى العمل عند ارباب المصانع الجشعين، فاستغل هؤلاء حاجتهم لفرض اقسى الشروط عليهم بإسم حرية العقد، وكانت المأساة التي دفعت اوربا في نهاية القرن السابق، الى تبنّي نظريات متطرّفة في الأشتراكية. فهل كانت تلك العقود المجحفة بحق اكبر قطاع من البشر عادلة وشرعية؟ أم كان الواجب على القانون التدخل لحماية العمّال المحرومين؟. وهكذا كان، فقد دخل المشرّعون طرفاً في كل العقود، حماية للارادة الضائعة أو المكروهه.
ومن جهة اخرى ادّت حدّية التجار في الاقتصاد الى ابشع الاحتكار وتراكم الثروة. مما منع الآخرين من ممارسة حقهم في النشاط التجاري، وكان على القانون ان يتدخل ـ مرة اخرى ـ لتصحيح مسيرة المجتمع.
ثانياً: بعكس ما يتصور بادئ الرأي، لا يقتصر العقد على طرفي المعاملة، بل المجتمع يتأثر سلباً او إيجاباً في العقد، إذ عليه ان يتحمل نتائجه. فاذا كان عقد يفسد سوق البلاد، أو يسبب ضرراً بالغاً على طرف معين مثلاً، لو عقد شخص مع آخر على ان يقوم الثاني بإزاء مبلغ ببتر يده مثلاً. فالثاني لا يتضرر وحده بهذه العملية، إذ ان زوجته واولاده وعموم اسرته، وربما غيرهم يتضررّون بذلك ايضاً. فهل له الحق في ذلك؟ كلا!.
من هنا لا نجد تاريخياً، عقداً واحداً لا يتدخل فيه المجتمع، وحسب باتيفول: ان القوانين الآمرة كانت دائماً متوافرة حتى في عهد ضآلة عددها، وكان المتعاقدون لا يستطيعون مخالفتها، كما ان الجهد الذي بذله الاحرار لتحويلها الى دعم الحرية (حرية المتعاقدين في إبرام ما يريدون) كان ينطوي على الابهام والالتباس404.
إن الحياة الاجتماعية قد تطورت مع الزمن الى درجة جعلت الانسان لا يقوم بأية حركة صغيرة أو كبيرة الا ويتداخل فيها اكثر من حق للمجتمع. وحسب ما يقول د. كاتوزيان «ان تقسيم العمل، والحاجات المتبادلة بين اعضاء المجتمع، قد ربطا مصير البشر ببعضهم، الى درجة ـ لا جرم ـ من الاعتراف بوجود حياة اجتماعية اخرى، الى جنب الحياة الفردية، وان لتلك الحياة المشتركة حاجاتها ومقتضياتها الخاصة التي لا تضمن دوماً بوسيلة الحرية الفردية فقط»405.
ثالثاً: تعتبر قاعدة النظرية الفردية من الناحية الفلسفية: الارادة الحرّة للانسان وقيمتها العليا، ولكنها ليست كذلك. إذ ان العدالة قيمة اخرى لا يمكن الاستهانة بها.
فاذا تعارضت الحرية والعدالة فان علينا التوفيق بينهما. ولا ريب ان العدالة لا تؤمن عبر الحرية وحدها، بل ـ هي الاخرى ـ بحاجة الى قوانين خاصة.
وحسب باتيفول: ان حرية التعاقد الكاملة تتعارض مع المنطق السليم، فضلاً عن انه لم يكتب لها الوجود اصلاً406.
ويضرب امثلة شتّى حددت الحرية فيها ـ قانونياً ـ بقيمة اخرى ابرزها: حرية الملكية التي تعرّضت لهجمات من جميع النواحي.
ويضيف: ان حريات الانسان نفسها، تخضع لتقدير السلطة المفروض إنضافه (ذلك التقدير) الحكمة، ويرى القانون اليوم، انه يجب الا يفسخ الزواج بناء على ارادة احد الزوجين، كما ان قاضي التحقيق هو الذي يقرّر ـ بعد التداول مع نفسه (وليس مع أحد غيره) ـ إذا كان يقتضي سجن متهم لم تتوفر لديه القناعة حول قيامه بأي مخالفة407.
ويضيف: ان الدولة هي التي تطلب من المحارب ـ اثناء الحرب ـ التضحية بحياته فهل يسعنا بعد ذلك ان نتكلم عن حقوق فردية بعيدة عن متناول الدولة، اذا كانت تستطيع ـ لدى الايجاب ـ ان تطلب الى المواطنين بذلك حياتهم408؟.
وسوف نتحدث انشاء الله لاحقاً عن المزيد من النقد تجاه النظرية الفردية التي تعتبر اليوم منتمية الى عهد مضى ـ بسبب كثافة القوانين المحددة للحرية الفردية وذلك عند الحديث عن نظرتنا في هذا الموضوع الهامّ.
باء ـ المذهب الاجتماعي
عوامل شتّى ساهمت في تطرّف فلاسفة ومشرعين وسياسيين، منذ سقراط وافلاطون، حتى (كنت، وييرينغ، وهتلر) تطرفهم باتجاه المذهب الاجتماعي والذي تجتمع تيّاراته على رفض المذهب الفردي وعلى ان غاية القانون توفير سعادة المجتمع وتنظيم حياة الناس المشتركة.
وتلك العوامل ـ مجتمعة كانت أو مفردة ـ تدعم هذا المذهب بين الحين والآخر، ولذلك كانت أسهمه ترتفع عند توافرها ثم تهبط كلما تناقصت أو ضعفت. وهي التالية:
الأول: مساوئ المذهب الفردي، مثل الظلم الفاحش، وسوء توزيع الثروة، واستغلال المحرومين وهكذا وكان هذا العامل، سبباً لتطرف الناس نحو الاشتراكية، والمذهب الاجتماعي في نهايات القرن التاسع عشر وفي جميع البلاد التي تناولها التصنيع، بسبب سوء معاملة العمال، واتساع الفجوة بين طبقات المجتمع409.
الثاني: انتشار الروح الوطنية في شعب بسبب احساس مهانة كبيرة. أو بسبب تطلّع كبير عندهم. كما نرى عند الشعب الألماني بعد الهزيمة التي مني بها في الحرب العالمية الاولى. فلما توجّه اليه هتلر باسم الجماعية، وطلب منهم التضحية بفرديتهم في سبيل الوطن لتحقيق النصر. واستجابوا له طائعين أو مكرهين410.
الثالث: المبالغة في الطهر الخلقي، ومحاولة التجرّد عن الذات للوصول الى قمة الكمال. كما نجده عند كبار المتصوفة، وربما دعى هذا العامل المسيحية الى مطالبة الناس بالذوبان في المجتمع، وكان القديس بولس يحثّ الارقّاء الخضوع لأسيادهم مهما كانوا قساة411.
الرابع: الخلط بين الدولة ـ باعتبارها حامية لحقوق الافراد ـ واعتبارها هي صاحبة حق التشريع. وحسب باتيفول:
وجدت حقوق الدولة، أو المحاكم، من يدافع عنها في جميع الأزمنة منذ عهد الرومانيين (كل ما يرضي الحاكم يتمتع بحكم القانون) مروراً بمشرعي القرون الوسطى، وقد منحها عهد النهضة عبارات شهيرة، ولكن السيطرة تختلف عن الديكتاتورية، إذ يمكن العمل على دعم السلطة دون ان يفرض عليها هدف استعباد الافراد412.
وهكذا دعم المذهب التاريخي، كما المذهب الارادي، هذا العامل بصورة أو بأخرى.
وتأثير هذه العوامل ليس سواء. فالعالم الثاني (الروح الوطنية) الذي نجده ـ عادة ـ عند اندلا الثورات التاريخية عنيف والقانون الجمعي الذي يفرزه بميل نحو الديكتاتورية المطلقة مثل النازية والفاشية. وربما الماركسية التي بالرغم من اعترافها الظاهري بحقوق الفرد وجعل الدولة في خدمة الانسان 413 ألا انها عند التنفيذ سحقت الفرد والقيم الانسانية سحقاً.
بينما العامل الأول (ردة الفعل تجاه الفردية المطلقة) كان ذا تأثير أهدأ ورمبا في صورة توافق بين مصالح الفرد والمصالح العامة انّى استطعنا سبيلاً الى ذلك، وتقدم المصالح العامة عند التعارض. لعل بيان حقوق الانسان يُعدّ من هذا القبيل، حيث يشير ـ في مادته الاولى ـ الى المنفعه العامة، ويعتبر النظام العام اهم من التعبير عن الاراء، وذلك في المادة «10» كما تقرر المادة «17» ان الضرورة العامة، مسوغة لاستملاك اموال الناس من دون رضاهم 414، وهكذا يقدّم هذا البيان، الذي أكد على حقوق الافراد، مصالح المجتمع على تلك الحقوق.
أما العامل الثاني، فانه أهدأ، لأنه يطالب الافراد بالتضحية الاختيارية، وهي لا تتنافى حتى مع المذهب الفردي.
بلى كانت المسيحية، الارض الخصبة التي نمت فيها المذاهب الجماعية، بالذات تلك التي لم تنكر حق الفرد بل جعلته هدفها، ولكن زعمت انها لا تتحقق الا عبر المصالح العامة، ولعلّ «رسو» من هؤلاء الذين ابتدأ بحرية الفرد، وانتهى بفرض الارادة العامة على الجميع415.
اما العامل الاخير (سلطة الدولة). فهو كان يشكّل قاعدة فلسفية لنموّ الدول الديكتاتورية. فمثلاً: يرى افلاطون في جمهوريته الطوبادية: ضرورة تقسيم المجتمع الى ثلاث طبقات، تقسيماً حادّاً: الحكماء والجنود والحرفيين: وعلى كل طبقة ان تقوم بدورها ـ تماماً ـ تطبيقاً لقيمة العدالة، ويضيف: ان سلطة الدولة بلا حدود، ولا يملك الفرد أيّ حق امامها، وحتى الملكية الفردية، ونظام الاسرة يتلاشى لحساب الدولة 416.
وفي الفلاسفة المعاصرين نجد (فيخته) الالماني، يمجّد الدولة الوطنية، وحتى الاشتراكية الحكومية، بالرغم من اهتمامه بحقوق الانسان417.
وكذلك النظرية الماركسية، التي قامت على اساس التفسير المادي للتاريخ، وتبنت منطق (هيجل) الديالكتيكي، وطبقته على المجتمع في صورة صراع طبقي فقد زعمت ان الطريق الى الشيوعية (حيث تختفي سلبيّات المجتمع الطبقي) يمرّ عبر تكوين دولة العمال (البروليتاريا) تلك الدولة التي تحارب الآثار السيئة للرأسمالية وتحارب ـ بطريقة أو بأخرى ـ مظاهرها الفردية. وفي هذه الدولة يصبح القانون مدافعاً عن الدولة في مقابل الفرد، وحسب الخبير القانوني المعروف في الاتحاد السوفياتي السابق (وشنسكي) انما وضعت القوانين لحفظ (حماية) الدولة في مواجهة الافراد. وليس من اجل حماية الافراد أمام الدولة418.
نقد المذهب الاجتماعي:
إذا كان الهدف من وراء تبني المذهب الاجتماعي، اقامة العدالة ورفع الظلم بكل الوانه، فان من المشهود ان هذا الهدف لم يتحقق، بل انتشر الظلم الفاحش.
وإذا كان الهدف قيمة اخرى، كالأمن الوطني والتقدم الحضاري في مواجهة تحدّيات كبرى، فعلينا ان ندرس ثلاثة محددات قبل ان نقرر، ان متى يمكن ان نضحيّ بحرية الافراد وحقوقهم الطبيعية.
الف ـ أولوية تلك القيمة، حسب متغيرات الظروف، على الحرية الفردية، فمثلاً: الأمن الوطني قيمة سامية تستحق التضحية بكل قيمة اخرى من أجلها، ولكن التضحية ستكون بحدود الضرورة.
اما التقدم الحضاري ـ الذي يتخذه البعض تبريراً للتضحية بحقوق الافراد ـ فإنه يستحق ذلك في ظروف معينّة دون غيرها. (عندما تواجه الامة تحدّيات كبرى لولا الاستجابة لها، تتلاشى الامة، وبالتالي عندما يصبح التقدم الحضاري ضرورة أمنية، فيعود الى قيمة الأمن، والتي قلنا انها تسبق كل قيمة).
باء ـ تحديد الضرورة الامنية أو الضرورة الحضارية، وانما يتمّ عبر سلطة شرعية مقبولة عند الامة. إذ من دون ذلك، تدعي كل سلطة: ان الضرورة الامنية تقتضي التضحية بحريات الافراد، والاعتداء على حقوقهم الطبيعية.
جيم ـ يجب التأكد من عدم امكانية تحقيق القيمة ـ التي نسعى اليها ـ مع المحافظة على حقوق الافراد. علماً بأن التأكد من هذا الامر يعتبر أمراً صعباً. إذ ان كثيراً من الامم واجهت اخطاراً كبرى واستجابوا لتحديات عظيمة، ومع الاحتفاظ بحقوق الافراد بل أصبح اهتمامهم بها، قوة اضافية، ساندتهم لتحقيق تلك القيمة.
أين العدالة؟
قلنا: ان الهدف الذي ابتغاه اكثر المهتمّين بالمذهب الاجتماعي، كان تحقيق العدالة. ومواجهة الظلم الذي شاع بسبب المذهب الفردي، ولكن هل تحققت العدالة بتطبيق المذهب الاجتماعي؟.
الجواب بصراحة كلا: لأن جذر المعضلة ـ في الاقتصاد الحرّ ـ كان استخدام البعض (الرأسماليون الكبار مثلاً) حريّتهم في سلب حرية الآخرين، فمثلاً صاحب المصنع، استخدم امكاناته الضخمة في سبيل استثمار العمال. وهذه المعضلة تتضاعف وتتعقد اكثر فاكثر، عندما تكون الدولة هي صاحبة ذات المصنع. فلو كان للعامل في الصنع مراجعة دوائر الدولة والشكاية عندها ضد الرأسمالي الكبير، الذي يملك المصنع، فانه لن يستطيع مراجعة احد والشكاية عندهُ ضد الدّولة التّي تجمع بين العصا والجذرة، أي بين القوة والثروة. ومعروف ان قيادات الدولة ليسوا ملائكة بل انما هم بشر ذووا مصالح واهواء.
وحسبما يقول (د. كاتوزيان): في المجتمع الذي تهدف كل القوانين فيه المحافظة على السلطة، لا نستطيع ان ننفي امكانية تحول حقوق البشر فيه الى لعبة لاهواء الطبقة الحاكمة. فاذا كنا نخشى في المجتمع الحر من اعتداء الشركات الكبرى والرأسمايين على حقوق الآخرين، مستخدمين ثرواتهم. أفلا يحق لنا ان نخشى مثل ذلك في مجتمع تحتكر السلطة كلّ القوى ووسائل الانتاج، وتملك ايضاً ناصية القانون419؟.
وبما ان فطرة الاستقلال، موغلة في أعماق البشر، فان السلطات القمعية، تبتدع اساليب ماكرة، تزداد مع الزمان تنوعاً وبشاعة وكيداً، من أجل إخماد جذوة الاستقلال، وإمانة روح الحرية. ابتداءاً من استخدام نظريات ووسائل في تربية الاطفال، تبث فيهم روح الخنوع والتسليم والعبودية ومروراً باستخدام نظريات تدعو الناس الى الطاعة العمياء والخضوع المطلق وانتهاء بتشريع انظمة وقوانين تدعم هذه الطريقة، وابتكار وسائل قمعية لتنفيذها على الناس.
وهكذا تحاول الانظمة الديكتاتورية، مسخ شخصية الانسان. مما يعني انتهاك حرماته جميعاً، والاعتداء على حقوقه كلها. فأيّ عدالة هذه؟
على ان قتل شخصية الانسان، عبر وسائل القمع، ليس بأقلّ ضرراً من قتل شخصه. ففي المجتمع الديكتاتوري يغط الناس في سبات. تتوقف مبادراتهم، وتتبلد عواطفهم، ويتراجع انتاجهم، وحتى غرائزهم الحياتية تعاني من الشلل التام ـ وهكذا يعود هذا النوع من الحياة ـ بالضرر على تقدم المجتمع وازدهاره، وليس فقط يضرّ بأمنه وحريته.
جيم ـ المذاهب الوسطى
بعد فشل المذهب الاجتماعي، كما المذهب الفردي، في توفير القيم العليا، التي ينشدها الانسان بفطرته من العدالة والتقدم، شرع الخبراء في البحث، عن مذهب جديد، يوفّر كرامة الفرد وحريته، وفي ذات الوقت، يؤمن اكبر ممكن من العدالة الاجتماعية. ولكن ما هو المعيار؟.
فإذا لم يكن الفرد قيمة مطلقة. ولا المجتمع فما هي القيمة المطلقة.
يبدو ان هناك ثلاثة مشاريع حلّ لهذه المعضلة.
أولاً: تبني المذهب الفردي بعد اصلاحه بزخم من القوانين التي تحدّ من سورته، وتهذبه، وتشبعه بالروح الاجتماعية. وهذا ما نجده في الدول الغربية.
ثانياً: تبني المذهب الاجتماعي، بعد تعديله ببعض الحريات الممنوحة، وتشجيع المبادرات الشخصية، وهذا ما نجده عند الزعماء الصينيين اليوم. كما ونقرأء عند بعض الاحزاب الشيوعية في الغرب (الحزب الشيوعي الايطالي مثلاً).
ثالثاً: البحث عن معيار ثالث، نقيّم به مصلحة الفرد، ومصلحة المجتمع، ونوازن بينهما، وهذا ما نجده عند «گورويج» الذي طرح مفهوم السعادة البشرية، أو عند (رسوكو باوند)، الذي ابتدع مشروع الهندسة الاجتماعية.
يبدو ان الفردية المعدلة أو الاجتماعية المهذبة، لا تستطيع ان تتخلّص من كل سلبيات المذهبين. لأن جوهر النظرية يظل ـ كما هو ـ يميل باتجاه معاكس للعدالة، ويصبح الانسان هو الضحية.
ذلك ان الاغنياء في المجتمع الفردي، يتحايلون على القوانين، ويفرغونها من محتوياتها الانسانية، ومن هنا نعرف انه: مادامت المصلحة الفردية هي القيمة المطلقة، فإن الاصلاحات الجانبية قليلة الفائدة.
وكذلك الدول الاشتراكية ـ التي تحتكر كل شيء ـ حتى لو ادخلت في نظامها اصلاحات لحساب الكرامة والحرية الفردية، فان جوهرها القمعي لا يتغيّر، وبالتالي تصبح العدالة الضحية الاولى في كلا الوضعين.
وجوهر المشكلة تبقى كما هي عاصية عن الحل، إذ لا نملك معياراً للقيمة الاساسية. فاذا كانت القيمة مصلحة المجتمع فلماذا التنازل عنها لمصلحة الافراد. واذا كان العكس فلماذا تحديد حرية الافراد. ووضع قيود عليها. وحتى لو افترضنا ضرورة تحديد مصلحة الفرد أو المجتمع بقيود، فما هو المعيار الذي نعرف به مقدار التحديد وزمانه.
إذاً دعنا نبحث عن نظرية ثالثة. وهي التي تجعلنا ندرس القيم بقدر من الاستقلالية، ثم نحدد اهمها فنجعله معياراً.
وعند هذه النقطة تتصل بحوث القانون ببحوث القيم. والتي تعتبر الموضوع الرئيسي لهذا الجزء في الكتاب، فمن اجل ان نعرف المعيار المشترك بين المواطن (الفرد) والدولة (الممثلة للمجتمع) لا بدّ ان نبحث عن معنى المعيار (القيمة) ومصدر شرعيته، ومن ثم تحديده بالضبط. وكل هذا البحث نجده في موضوع القيم كما في فلسفة المجتمع وايضاً في هذا القسم من بحوث فلسفة القانون.
من هنا دعنا نستعرض بعض النظريات الحديثة التي تسعى نحو اكتشاف المعيار الذي يجمع بين الفردية والاجتماعية وهي التالية:
گورويج:
يرى عالم الاجتماع الفرنسي گورويج: ان هدف القانون تحقيق العدالة في اطار مجتمع معين420ـ وبالرغم من ان العدالة قيمة نسبية ـ عنده وانها تختلف بالتالي باختلاف المجتمعات ـ ألا انه يرى ان الغاية (العدالة) واحدة عند الفرد والدولة معاً.
ولا تتحقق العدالة من دون اتفاق بين مختلف الطبقات. فمثلاً عند الصراع بين العمال وربّ المصنع، لا يمكن تركهما وشأنهما ليتّفقا بينهما تامة، لأنهما ليسا متساويين، بل يجب ان يتدخّل القانون بهدف اقامة العدالة، التي تعني توفير مصلحة الطرفين.
وكذلك فيما يتصل بحقوق الامم، يجب ان نسعى لتحقيق هدف اسمى، يتمثل في تقدم البشرية جميعاً.
وهكذا يرى گورويج: ان البحث عن هدف اسمى للقانون (العدالة داخل دولة واحدة والتقدم البشري في اطار الدول المختلفة) يجعلنا فوق المشاكل القائمة في النزاع بين الفرد والمجتمع.
روبيه:
يرى الخبير الفرنسي روبيه: ان الغاية الاسياسية للقانون، هي توفير النظام (الأمن) ولكن هذا الهدف لا يتحقق من دون الحرية، التي تفجّر الطاقات، وخطأ كبير ـ عند روبيه ـ توقع امكانية الامن من دون توفير الحرية. ولكن الحرية ـ بدورها ـ بحاجة الى ضوابط، لكي لا تسبب في الظلم والصراع الطبقي. من هنا فنحن بحاجة الى قوانين تشرعها الدولة لتنظيم الحريات الفردية، الا انّ الواجب الاقتصار فيها على اقل قدر ممكن منها.
وروبيه يرى: ان الدولة واحدة من المؤسسات التي يتدخل عبرها المجتمع في حريات الافراد، وينظمها وعلينا الا نستهين بدور سائر المؤسسات الاجتماعية (الجمعيات ـ النقابات ـ الاحزاب وما اشبه)421.
دابن:
ودابن (الاستاذ البلجيكي) اختار المصلحة العامة معياراً تجتمع فيه مصالح الفرد والمجتمع. واعتقد ان هدف القانون توفيق قرارات الدولة مع هذا المعيار.
واعتقد: ان المصلحة العامة تعني ما ينفع البشر الآن ومستقبلاً، (الاجيال الصاعدة) ولها مظاهر شتّى.
اولاً: توفير الأمن والاستقرار، وذلك بإنشاء نظام سياسي واخلاقي وفنّي يضمن الثبات ووقاء الامة للدولة.
ثانياً: وبعد ذلك يقوم القانون بتأمين سعادة، ابناء المجتمع، وتوفير مناخ مناسب لتنمية المواهب، وتنطيم العلاقات، وفتح الطرق، وتوفير الخدمات العامة (الثقافية بالذات) والتي تنفع كل الناس422.
باوند:
ويبقى السؤال ماذا لو تعارضت المصالح؟ فما هي المصلحة الاهم؟.
والجواب: جاء على لسان (رسكوباوند) الأميركي الذي بلور نظرية (هندس المصالح الاجتماعية).
يرى باوند: ان القانون يقوم على اساس هدف محدد، وهدفه هندسة المجتمع، بإقامة توازن بين مصالح مختلف الفئات.
ذلك لأن منافع الناس مختلفة، وكل فئة من الناس تدافع عن مصالحها الخاصة، ولا يجوز الغاء مصلحة لحساب مصلحة اخرى، بل لا بد من التوفيق بينها ولكن كيف؟
يرى باوند إن ذلك يتمّ عبر مرحلتين:
أولاً: معرفة هدف المجتمع. وذلك عبر دراسة فلسفة القانون للتعرف على قيم كل مجتمع واهدافه.
ثانياً: القيام بجرد المصالح ذات الإهمية، ومن ثم دراسة مدى اهميتها. وايّها تتقدم على غيرها، على اساس المعيار الذي عرفناه في المرحلة الاولى423.
من هنا فان القانون يختلف وفقاً للتغيرات التي تطرء على المجتمع.
وقد قام (باوند) ببحث مفصّل في هذا المضمار، ونحن بدورنا سنقوم بدراسة القيم (المصالح) الاجتماعية في الجزء الرابع انشاء الله تعالى. وندرس نظريات مقارنة كثيرة ولكن قبل ذلك ينبغي ان نبحث عن أهم القيم التي بحثها فلاسفة القانون والعلاقة بينها.
وهي الأمن والعدالة والخير العام.
4/ الأمن والعدالة والخير العام
الأول: الأمن
قبل ان نبيّن ابعاد قيمة الأمن، لا بد من معرفة الحقائق التالية:
أولاً: الأمن، يعني نظاماً قائماً على قواعد ثابته، تؤّمن سلامة ابناء المجتمع، واحترام دماءهم واموالهم واعراضهم وحريتهم.
وفائدة القواعد الثابتة في النظام الأمني، ليست فقط احساس كل فرد بالسكينة، وانما ايضاً توفير فرصة التنبّوء بنتائج تصرفاته وحدود صلاحياته، ولكي يطلق العنان لمبادراته، ضمن حدود معروفة لديه سلفاً.
ثانياً: قيمة الامن قد تبحث على صعيد الفلسفة العامة للحياة، والتي سبق الحديث عنها في فصل مضى وهناك قد تصبح في مستوى سائر القيم المثلى مثل الكرامة والحرية والتقدم، أو تعلوها أو تصبح في مستوى أدنى منها، ولكن الحديث هنا عن قيمة الأمن على صعيد فلسفة القانون والغاية منه، ولذلك يصبح الامن (النظام) أهم قيمة قانونية.
لأن الفائدة الاولى للقانون هي توفير الامن، ويبدو ان البعض لم يحدد البحث عن الامن في أي مستوى هل في مستوى فلسفة الحياة، أو في مستوى فلسفة القانون، فوضع الأمن في مستوى سائرغايات وضع القانون. أو حتى ادنى منها.
ثالثاً: لكل قيمة درجات، وعلينا ان نقارن كل درجة من قيمة، بما يعادلها في ذات الدرجة من سائر القيم. فالامن قد يكون أمناً وطنياً. (يشمل كل ابناء المجتمع) وهو اعلى درجات الامن فلا بد من قياسه بالكرامة الوطنية. أو بالتقدم الحضاري لكل الامة.
وقد نبحث عن الأمن في مستوى فريق من الناس، وفلا بد من البحث عن قيمة العدالة في ذات المستوى. ومن الخطأ ان نبحث قيمة معينة في درجة اسمى مع قيمة في درجة اقل، فاذا سألنا هل حرية شخص أهم أم أمن الوطن، فالاجابة تكون بلا تردد:
«أمن الوطن» ولكن لا يعني ذلك ان الأمن أهم من الحرية. لأن درجته تختلف.
بعد هذه النقاط التوضيحية نقول: ان المذهب الفردي في القانون (بنتام) اعتبر الامن الذي يوفرّ اقصى درجات الحرية للفرد اعظم قيمة. وانطلق في اهتمامه بهذه القيمة من منطلق فلسفي وقانوني. كما ان المذاهب الصورية (كلسن) والارادية (دابن) اهتمّت بالأمن واعتبرته الغايه الاسياسية للقانون، فمثلاً يقول دابن البلجيكي: غاية القانون تحقيق الامن الاجتماعي حتى ولو خالفت قواعده العدالة لأن العدالة ـ عند رجل القانون ـ وسيلة لا هدف424.
ويقول روبيه: الأمن اعظم غايات القانون لأنه مع فقده لا تبقى ايّة قيمة اخرى425.
والواقع: ان نظرة المهتمّين بالأمن ليست واحدة فيها يتصل بأهميته، حيث نجد البعض منهم يرى الامن فوق العدالة. بينما البعض الآخر يراه سبيلاً الى العدالة (كما رأينا عند روبيه) بينما الآخر يلجأ الى الامن باعتباره الغاية المعلومة يقيناً للقانون والمتفق عليه، بينما سائر الغايات غير معلومة في ذلك يقول باتيفول: ان صاحب المذهب الصوري لا ينكرون، بشكل عام، ان مضمون القواعد له اهميته في مرحلة معيّنة على الاقل، ولكن نظراً لعدم ثبات التوجيهات التي يلجأ اليها لتحديد هذا المضمون، في مجالي العدالة أو المنفعة العامة، فإنهم يصرّون على انه في حالة الشك يجب الاتجاه نحو اليقين (روبيه)426.
والأمن يختلف حسب الظروف. لأنه يعني توفير الاستقرار وتأمين نظام للعلاقات الاجتماعية، ومقاومة الاخطار والتجاوزات وكل هذه الغايات الامنية مختلفة، فالاستقرار عند عشيرة تعيش في جزيرة ليس بمستوى الاستقرار في مجتمع متطوّر ذات علاقات متشابكة ومعقدة. ومن هنا فعلينا ألّا ننظر الى هذه القيمة. بصورة مبسّطة بل ندرسها دراسة مقارنة مع ظروفها وسوف نتحدث عن ذلك مستقبلاً انشاء الله.
وقد انتقد البعض اعطاء الأولوية للأمن واعتبر ذلك اطاراً بلا محتوى بل قال البعض: ان النظام غير العادل ليس نظاماً وانما مجرد فوضى 427 واضاف وفي ذلك يكمن خطر برنامج الأمن، لأنها حسب باتيفول تتجاهل الاحترام الواجب نحو الفرد428.
وهكذا استخدم الطغاة هذه الذريعة (الأمنية) في سبيل فرض الديكتاتورية على الناس. حيث ان الطاغية الذي يملك تبرير المحافظة على الأمن (من دون النظر الى محتوى الأمن، أي العدالة) يُشرّع قوانين أمنية تدعم سلطاته429.
ولكني ندرس ابعاد هذا النقد ومدى صحّته لا بد ان نعرف الحقائق التالية:
أولاً: أنّى كانت القمية العليا للحياة. فان الغاية الاسمى للقانون إقامة القسط، ولكن القسط لا يقوم من دون اشاعة الامن. وتحكيم النظام. واقامة علاقات ثابتة ومعروفة النتائج بين الناس. فأول غايات القانون هو الامن (النظام) والقانون الذي لا نظم فيه ليس قانوناً. بينما القانون الذي تنقصه العدالة يعتبر قانوناً جائراً. والقانون الجائر افضل من اللاقانون. والسبب ان إقامة القسط تستحيل مع الفوضى، بينما تصعب مع القانون الجائر. وأنّى كان القانون جائراً ففيه نسبة من القسط، أو تبادل المنافع، أو الحقوق، بينما لا شيء في الفوضى فالأمن مطلوب كوسيلة الى القسط (العدالة) لأن القانون بلا أمن ليس بقانون، والقانون بلا عدالة فارغ من محتواه. من هنا جعل القرآن الحكيم إقامة القسط غاية بعثة الرسل فقال الله تعالى:
«لقد ارسلنا رسلنا بالبيّنات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب»430.
وهكذا كانت غاية الرسالات قيام الناس بالقسط ولكنها لن تتحقق من دون قوّة تفرض النظم. من هنا أنزل الله الحديد الذي فيه بأس شديد. وحمّل مسؤولية الدفاع عن القيم طائفة من الناس الذين ينصرون الله ورسله بالغيب.
وجاء في حديث مأثور عن الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: (ظالم غشوم خير من فتنة تدوم).
فالظالم لاذي يقيم النظام، ولو كان غشوماً فهو افضل من الفتنة التي تدوم وتشيع الفوضى فلا نظام ولا عدالة.
وحين ننظر الى الوراء ونثير حوادث التاريخ نجد من الناس التجأوا الى القانون بحثاً عن الأمن. وتنظيماً للعلاقة ثم استهدفوا العدالة منه. ولعلّنا نعود الى البحث التاريخي في فصل آت انشاء الله تعالى. وحين نجعل استقرار النظام هدف القانون المباشر. فان القانون الأمثل يكون ذلك القانون الأقدر على بسط الأمن. وتيسير العلاقات وضبط القواعد وإقامة العقوبات وما أشبه.
ثانياً: لاستقرار النظام درجات، يبدأ بمنع الفوضى، وينتهي بوضع قواعد قانونية لكل صغيرة وكبيرة من حياة البشر وحوادثها المتوقّعة. وعلينا ان ندرس ـ كما قلنا آنفاً ـ كل درجة من الاستقرار ونقيسها بسائر القيم. فأبسط درجات الاستقرار (الأمن) تسبق القسط ولكن الدرجات المتقدمة والعالية من الاستقرار لا تفضل على القسط.
وبتعبير آخر: كلما حققنا درجة من الاستقرار يجب ان نسعى لتحقيق هدف تلك الدرجة وذلك بتوفير القسط. وهكذا تتواصل درجات تكامل القانون بالنسبة الى كل الغايات القانونية الثلاث (الأمن ـ القسط ـ التقدم). دعنا نضرب مثلا.
استاذ قانوني يكتشف جزيرة يقطنها بشر منقطعون عن العالم. فإذا سادهم هذا الأستاذ وأراد ان ينظّم حياتهم، فلا ريب انه يبدأ بإيجاد قواعد معدودة تنظم علاقاتهم ببعضهم، ولكنه فور ما ينجح في ذلك. وحتى قبل ان يطبّق تلك القواعد يفكّر كيف يجعل تكل القواعد عادلة. تعطي كل ذي حق حقه. صحيح انه لا يجعل العدالة الهدف الأول ولكنه لا يتركها ايضاً، بل قد يجعلها هدفاً اسمى. فاذا استتّب قدر من الامن، واعتاد الناس على تلك القواعد إهتم بكيفية استغلال الاستقرار في سبيل اصلاح الجزيرة من الناحية المادية إلا ان التقدم المادي ـ بدوره ـ يقتضي قواعد جديدة، تنظم العلاقات في القضايا المستجّدة. وتلك القواعد تهدف اشاعة الاستقرار اولاً. والعدالة ثانياً. والمزيد من التقدم الحضاري ثالثاً.
ومن هنا فان الاولوية للاستقرار ولكن فور الحصول على قدر منه، لا بد من البحث عن العدالة بذات المقدار، ومن خلال الاستقرار والعدالة يتطلّع المجتمع نحو التقدم.
ثالثاً: لأن هدف الأمن العدالة، فعلينا الا نضحي بالعدالة من اجل الأمن. اللهم الا بصورة موقتة. ذلك لأن الاستقرار الذي يفقد العدالة قشرة بلا لباب. ولذلك لا يلبث المجتمع ان يرفضه عاجلاً أم آجلاً. وهكذا يتلاشي الأمن ايضاً.
الثاني: العدالة
أول سؤال يطرح هنا: ما هي العدالة؟ لقد قالوا العدالة، إعطاء كل ذي حق حقه، ولكن هذا التفسير يبدو تفسيراً لفظياً، اكثر منه تفسيراً حقيقياً. إذ يعود السؤال ذاته: ما هي حقوق الافراد؟ قال البعض ان الناس مساوون في الحقوق، وهكذا فسروا العدالة بالمساواة. ولكن هذا أدّى الى جمود المجتمع إذ جعل النشيط والخامل في مستوى واحد. فهل هذه عدالة؟
يبدو ان العدالة: تعني المساواة في لحظة الانطلاق، حيث يبدأ التسابق نحو مكاسب الحياة. ثم يتمّ حساب حق كل سابق بقدر جهده، ولعلّنا نعود قريباً الى تفسير العدالة إنشاء الله تعالى.
والسؤال الثاني ما هو موقع قيمة العدالة في سلّم القيم المثلي؟ يرى البعض (جرج دل وكيو) العدالة اسمى معيار للقيمة. واهم هدف للحياة ومن دونها تصبح الحياة مستحيلة.
أما (هوريو) فقد اعتقد ان القانون يبدأ حين يتحرك نحو تحقيق العدالة، وان جوهر القانون تقسيم حقوق الناس.
كذلك يجعل المذاهب العلوية (الطبيعية أو الإلهية) العدالة هدف القانون الأول431.
ولقد أثارت البحوث القانونية قضايا حول العدالة دعنا نعالجها في نقاط:
أولاً: لا تعني العدالة مجرد احترام حقوق الناس الفعلية، بل وـ أيضاً ـ تكافئ الفرص التي تمنح المجتمع حيويّة بالغة، فاذاً ليس من العدالة وضع المزيد من القيود على حركة الانسان، تمنعه في استقصاء جهودة، وبلورة طاقاته ومواهبه، وهنا نصل الى نوع من التناقض بين العدالة المطلوبة، وبين ما يُسنّ من قوانين بإسمها في المجتعات الاشتراكية مثلاً، حيث انهم من أجل توزيع الثروة مثلاً، يمنعون بعض المبادرات الشخصية، والذي ـ بدوره ـ يسبب في منع الناس من حقهم الطبيعي في تطوير طاقاتهم، والاستفادة من مواهبيهم.
ثانياً: قد يتحّول الضمان الاجتماعي ومساعدة الفقراء والاهتمام بحقوق المستضعفين الى عامل تثبيط وخمول في المجتمع، حيث يمنع مبادرات الفرد، وصراعه من أجل الحياة، في حين يحتاج الانسان الى حوافز قوية للتحرّك والنشاط، وقد رأينا كيف تتراجع الانتاجية في المجتمعات الاشتراكية ذات النظم الاقتصادي الموجهّة.
مثلاً: إذا عرف العامل في المصنع إنه لن يطرد ولن يجازى على كسله وتراجع انتاجه، وانه لن يكافئ بما فيه الكفاية على انجازاته فما الذي يدعوه الى النشاط والحيوية؟
وإذا عرف طرف العقد إنه يستطيع ان يتراجع عن التزامه باسم الغبن الفاحش متى أراد، فانه لا يستخدم ذكاءه، تماماً قبل العقد، ولا يلتزم به بعده. وهكذا يتزلزل اساس المعاملات الاقتصادية، وهكذا يجب ان نفصل بين جوهر العدالة وبين مظاهرها التي قد تخالف ذلك الجوهر.
بلى فيما يتصل بالضمان الاجتماعي ان تضع قواعد واضحة للتعرّف على الفقراء الذين يملكون فرصة الاكتفاء لكي لا نشجّع الناس على العجز والخمول.
كذلك فيما يتصل بالعامل يجب ان نراعي حاله عندما يواجه خطر الاستغلال من قبل ربّ العمل خطراً حقيقياً، ولكن بحيث لا ينتهي الى ضرر صاحب العمل ويؤدي الى ضعف الانتاج.
وهكذا فيما يتصل بالغين فان القانون يجب ان يضع موازين واضحة له بحيث يعود الى فساد النيّة وفساد العقد تبعاً له مما يرجع الى عيوب الرضا 432 ونضع قوانين لحماية المستهلكين بحيث لا تعارض ومصلحة المنتجين (نظام الماركات المسجّلة مثلاً).
لقد منع الشرع الاسلامي طائفة من العقود مث البيع الغرري. والربوي، والغبن الفاحش، ونهى عن عقود معيّنة نهي كراهة، كل ذلك من أجل سلامة السوق، ولكنه لم يتدخل في كل صغيرة وكبيرة من معاملات السوق بل اجاز كل تجارة عن تراض وقال:
«لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ان تكون تجارة عن تراض منكم»433.
ثالثاً: شرعية العدالة نابعة من ذاتها، وهي ـ كما تحدثنا عنها عند الكلام عن الامن ـ هدف الاستقرار بل انها هدف الحياة. وتقوم قيمة العدالة بدور اساسي في الاستقرار، لأن فطرة الانسان تدعوه الى النضال من أجل حقه. فاذا أوتي حقه واستقرّ وإلا فإنه يسخط ويعكّر صفوّ الامن.
وحتى التقدم انما يتم حين يحس الفرد ان جهده لن يضيع، اما إذا رأى الانسان:
ان هناك من يسرق جهده، فلماذا يجتهد، بل قد يرى ان اقرب السبل الى مطامحه سرقة جهود الآخرين والتمتّع بها، ومن هنا كانت فائدة القانون هي معرفة كل انسان بنتائج جهده، وكذلك حدود تصرفات الآخرين تجاهه، حسب (باتيفول) الذي يصف حالة ابتزاز جهد الآخرين فيقول: وهي تؤول الى احتقار الشخص الذي (يسلب منه جهده) يزداد شناعة (هذا الاحتقار) كلما حاول (شخص) ان يفهم من شخص آخر دون سبب مناسب، ان مثل هذا الخلل في التوازن يعود بالوبال على الحياة الاجتماعية، لأنه يقضي على كل ثقة وكل توقّع للامور434.
وصفوة القول: لولا ان العدالة قيمة غير واضحة المعالم فانه لا يشكّ أحد في انها أهم القيم الانسانية.
والاختلاف في العدالة ينشأ بسببين الاول بسبب اختلاف الظروف، إذ ان العدالة ليست دائماً واحدة في أيّ زمان ومكان ولذلك فإنها تصبح قيمة عامة، يستلهم منها المشرع أو القاضي، افكاراً ايجابية لأصدار الحكم أو لتطبيقه.
الثاني للاختلاف في معنى العدالة، اختلافاً فلسفياً ويتصل بعقائد كل امة، وثقافتها، وتاريخها وهذا الاختلاف لا يضر بأتخاذها هدفاً مقدساً، للحياة وللقانون.
الثالث: التقدّم
تسخير الطبيعة، واستعمار الارض، والانتفاع بمواهب الله فيها، يعتبر هدفاً لكل بشر. فمنذ ان يولد الانسان يشرع في استخدام موارد الطبيعة حيث تراه يتنفس، يقاوم الجاذبية، يدفع عن نفسه الاخطار، ويشرب ويأكل. ويكبر الوليد ويكبر معه حجم تسخيره للطبيعة، ثم يتخذ هذا الهدف شكلاً جديداً، عندما يتكوّن الإجتماع البشري، إذ يصبح أحد اهداف المجتمع، إذ يتعاونون في سبيل سعادتهم، أو لا اقل درء الاخطار الطبيعية عن انفسهم.
وقد اعتبر الفلاسفة هذا الهدف قيمة اساسية، وقد ذكر به الوحي مظاهره الإلهي. اما علماء القانون فقد اعتبره بعضهم اهم قيمة ينشدها القانون.
ويسمى اليوم تسخير الطبيعة، بالتقدم، باعتباره احد ابرز مظاهره في عصرنا، ولعلاقته بالتنافس الحادّ بين الامم، وبالذات بين الدول الغنية والنامية.
ويتصل تسخير الطبيعة (التقدم) بالجانب الاجتماعي من حياة البشر، فمنذ ان كان ثمة علاقة بين انسان وآخر، كان أحد اهم الروابط بينهما المصلحة المشتركة، حتى اجتماع الزوج والزوجة يكون بهدف التعاون، والوصول معاً الى نفع مشترك وبما ان القانون لا يمكن ان يلغي، أيّة خصيصة اجتماعية، لأن القانون جاء من اجل ترسيم علاقة الناس ببعضهم وعملهم المشترك فإن قيمة التقدم تتصل بقيمة المصلحة العامة، التي جعلها البعض هدفاً للقانون، وهكذا يقول الهيجلون الجدد: انظروا الى المطالب وقيسوها بالنسبة الى الحضارة، وبالنسبة الى تطوير القدرات الانسانية الى اقصى حدّ ممكن ـ أي الى اكثر حدّ ممكن ـ من سيطرة الانسان على الطبيعة البشرية والطبيعة الخارجية وتمكنه منها435. ودعنا إذ ندرس هذه القيمة بصورة مستقلة بالرغم من تداخلها مع قيمة التقدم أم تسخير الطبيعة.
5/ المصلحة العامة
وقد اعتبر البعض المصلحة العامة القيمة الاسمى، التي تجمع المصلحة الفردية، والمصلحة الاجتماعية، وبالتالي اعتبر افضل حلّ للمعضلة (الفرد اولاً أو المجتمع أولاً).
وقد كانت فكرة الخير موجودة منذ اقدم الفلاسفة حيث اشار اليها (ارسطو)، واعتبرها العلة الغائية للحياة واشاد بها القديس (توما الاكوني)، وهي قريبة من المذهب التاريخي، بل والمذهب الطبيعي، بالرغم من عدم استثمارها من قبل رجال القانون بصورة كافية436.
ولا ريب ان القرآن الكريم الذي يعتبر المصدر الوحيد للتشريع (بالاضافة الى تفسيره من قبل السنّة الشريفة) قد ذكر بالخير قال الله تعالى:
«ذلك خير وأحسن تأويلا»437.
ولكي تتوضع اكثر فأكثر المصلحة العامة وتتبلور رؤيتنا تجاهها ينبغي ان ندرسها عبر نقاط:
أولا: الحق بين الموضوعية والذاتية.
هل الحق حق لأنه حق عند الله سبحانه، وفي سنن الله قدرها ويجريها في الطبيعة، أم الحق حق لأن الناس يعتبرونه حقاً. أو لأن ارادة الشرع (القانون) يعتبره كذلك؟
حين نقول الحق ظاهرة ذاتية (حسبما يزعم المذهب الوضعي) فان الحقوق تتناقض لأن المصالح تختلف ورؤية الناس عنها ليست متفقة.
ولكن اذا توصلنا الى هذه النتيجة ان الحق ظاهرة ثابته، سواء عرفها الانسان أم لا، رسّمها القانون أم لا، فان الوضع يختلف لأننا آنئذ سنكون أمام حقيقة واحدة لا تتغير، ويمكن اكتشافها والتحاكم اليها وجعلها محوراً للوحدة، لا علّة للفرقة.
وفي بحوث سبقت قلنا: ان الحق ظاهرة موضوعية، ولا فرق ـ أذاً ـ بين ان نقول ان السماء والارض والجبال والاحياء حق. وبين ان نقول: ان حاجة الانسان الى الطعام والسكن والجنس والحرية حق.
وتجتمع جملة حقوق لأبناء المجتمع فتصبح موضوعاً للقانون، الذي ينظمها على اسس معينة. وحقوق الافراد الطبيعة جزء من وجوداتهم، وحياتهم وشخصياتهم وطموحاتهم (وهي كلها وقائع ثابته وحقائق قائمة لا ريب فيها) وتتكوّن منها جمعاً المصلحة العامة.. فالمصلحة العامة ليست حقيقة موضوعية مختلفة عن مجموع حقوق الافراد. فهي عدد ألمأة التي ليست سوى لمأة عدد (1-2-3و..).
وبهذا التفسير لكلمة المصلحة العامة لا تصبح حقوق الافراد ضحية لها، ولا تصبح المصلحة العامة طريقاً جديداً للديكتاتورية.
ويرتفع بذلك النقد الموجّه الى المصلحة العامة، من قبل البعض حيث يعبّر عن هذا النقد (باتيفول) بالقول: «الاحداث المعاصرة جعلتها موضع شك من قبل الكثيرين، إذ بدت لهم وكأنها تشق الطريق للديكتاتورية بالاهتمام الذي اخذت بمصالح المجتمع المعارضة لمصالح الفرد»438.
ويضيف: «فاذا كان هدف الخير العام، يتمتّع بأولوية مطلقة وبقيمة ذات غاية قصوى، فكيف يمكن منع المجتمع من التضحية بالافراد»439.
وقد سبق ان هذا النقد موجه حين يكون مصدر شرعية الخير العام، أمراً مختلفاً عن حقوق الافراد، اما في هذه الحالة، فاننا نسعى ـ ابداً ـ للحصول على اكبر قدر من المصلحة للافراد، وبأقل قدر من التضحية. وحسب باتيفول: ان المشرع يجب ان يبحث عن أوسع اتفاق ممكن واكثره ادراكاً، أنّ فرض تضحيةٍ باسم الخير العام، لا يمكن قبولها لتعذّر تسويغها من الناحية الاخلاقية، اما لأن الطلب مبالغ فيه، أو لأن النتيجة التي تؤول على المجتمع، ليست متناسبة، إن مثل هذا الاجراء يؤدي الى تضحية الانسان (الفرد) في سبيل المجتمع، وهاذ امر غير مقبول440.
ثايناً: في الانسان نزعتان. نزعة الذات ونزعة التجاوز للذات. الاولى تغذية شهوة البقاء وتدعوة الىالاخذ، بينما النزعة الثانية ميراث عقله، وتحبّب اليه العطاء، فبالنزعة الاولى نحب الملك والخلود وبالنزعة الثانية نمجّد الاحسان والتضحية، وكلما زادت قوة النزعة الثانية عند ابناء المجتمع كانوا اكثر تطوراً واقرب الى الحضارة والمدينة. والمصلحة العامة ـ سواء على صعيد مجتمع واحد، أو على صعيد الوطن والامة والبشرية لا فرق ـ قد تستمدّ شرعيتها من هذه النزعة، حيث يلتقي عند هذه النقطة القانون بالاخلاق. فترى الفرد يتنازل بطيب نفسه عن بعض حقوقه للمجتمع، ويخضع للقانون الذي يأمره بالتضحية، وان ملاحم البطولة في الحروب الدفاعية لأقوى شاهدة على هذه الحقيقة.
ولكن هذه الشرعية لا تتحوّل الى حالة قانونية، الا بعد اعتراف الناس بها، لأن التجاوز (الاحسان حسب المصطلح الشرعي) لا يكون الا بطيبة نفس الفرد. ومن هنا فان الدولة تقوم بدور توعية الناس بما عليهم ان يفعلوا للمصلحة العامة. ثم لا تعمل لا بقدر استجابتهم لافكارهم أو لا أقل في حدود تفويضهم لها بالعمل.
وهذا يؤكد دور الوجدان القانوني لدى المجتمع والذي لا يقوم بناء أي قانون الا به.
ويضرب (باتيفول) مثلاً لأثر التوعية، بقانون تحديد ساعات العمل، وكيف اعترف بفائدته حتى اولئك المخالفين له وذلك بفضل التوعية441.
وسيكون في المجتمع من يتجاوز ذاته. كما يكون فريق من الانتهازيين لا يهدفون الا سرقة جهود الطيبين. ولذلك يقوم القانون بدور المنظم لحالة المجتمع لمنع الانتهازيين من استغلال طيب الآخرين.
وكلما استطاع الحكام سبيلاً الى اقناع الناس بفضيلة الايثار وتجاوز الذات. كلما كان تطبيق القانون أيسر وكان المجتمع اقرب الى الكمال. وهذا ما تسعى اليه الشرائع الإلهية، التي تبعث نزعة الخير في ضمير البشر، وتحفز دواعي العطاء والفداء فيه، وتزيد الانسان وعياً بدوره في تطوير حياته، من خلال خدمة المجتمع وانه من زرع القمح يحصده. ومن زرع الريح لا يحصد الّا العاصفة و(ان الناس مجزيون باعمالهم ان خيراً فخيرو ان شراً فشر)442 «وإن اليس للانسان الّا ما سعى وان سعيه سوف يرى» 443 وانه (كما تدين تدان)444.
وافضل المجتمعات، هو الذي تتّحد ارادة الناس فيه مع ارادة القانون. ويربي الناس على تطبيع شهواتهم مع حقائق عقولهم.
وحسب باتيفول: «اذا كانت الحرية تقوم لدى انعدام ايّ عقبة خارجية، على الاتحاد الكامل بين الذكاء الارادة، فان التصرف المطابق للقانون المعقول، يعد حراً.
ان الذي يتغلب على ما ينفر منه، ويتبع عقله، يعدّ اكثر حرية من الذي ينقاد مع نزواته445.
ثالثاً: وتعتمد قيمة المصلحة العليا على التوازن بين كافة المصالح وتحكيم اقصى حدّ ممكن من العدالة بينها، فاذا كانت مصلحة المجموع تقتضي التضحية بالمصالح الفردية (مثلاً البذل في أيام الدفاع عن الوطن) فان المفروض تخفيض نسبة التضحية الى ادنى حدّ. لكي نوازن بين مصلحة الدفاع عن الوطن وبين حقوق الافراد.
وهكذا ينبغي التوازن في الأهتمام بسائر المصالح وعلى القانون ان يحقق كل المصالح، لأنها ـ اذا اجتمعت ـ تنفع الجميع دعنا نفترض المجتمع كأعضاء جسد واحد فلا يجوز التفريط بعضو من اجل عضو آخر لأن كل الاعضاء ضرورية لهذا الجسد.. وهكذا شبّه الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المجتمع الاسلامي حين قال:
(مثل المسلمين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالحمى والسهر).
وهذا التوازن يقربنا الى نظرية رسكو باوند في «هندسة المصالح» بفارق ان باوند لم يضع لنا معياراً نعود اليه في تفضيل مصلحة على اخرى.
رابعاً: وحين يستقرّ النظم والعدل، وتتكامل مصالح المجتمع، فان القانون قد ادّى وظيفته كاملاً، وحينئذ يتحرك قطار المجتمع نحو هدفه الذي قدّره لنفسه، وتختلف المجتمعات في هذا الهدف، ولكن الهدف المشترك بينها ـ فيها يبدو ـ هو تنمية المجتمع مادياً وتسخير المزيد من مواهب الله في الطبيعة، وهذا الهدف هو الذي يسميه البعض بالتمدن (والتطوير أو التقدم الحضاري أو تسخير الطبيعة أو ما أشبه) وقد جعلوه في سياق اهداف القانون. والواقع انه هدفاً اسمى للمجتمع وليس لقانونه. أما القانون فانه يحقق الشرط الأساسي لتحقيقه وهو الإستقرار والقسط.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب