فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
1/ حكمة الخلق إطار القيم الخليقة صنيعة الله سبحانه، الذي قدرها وانشأها وصورها وسواها وقدر اقواتها واجرى فيها سنناً ثابتة. والخلق عباد الله الذين لم يقطع عنهم رزقة ومواهبه، بل دعاهم الى الاستزادة منها لأنه واسع العطاء.. وفطرهم على حب التكامل اليه. والتسامي الى بعض اسماءه الحسنى.. فالخلق في زيادة. ونظام الخليقة في تكامل. ولا ينتهي عطاء الله سبحانه. «وما كان عطاء ربك محظوراً»446. وللانسان دور في تكامله. فكلما تطلع الى الاعلى وسعى له سعيه وفّقه الله الى ذلك وهداه. وتلك هي اعظم اهداف الانسان ان يتقرب الى ربه باسماءه الحسنى، واسماءه هي قيم الجمال والكمال (معنوياً ومادياً) التي لا ينضب معينها. واذا كان التعالي الى الله (التقرب اليه زلف باسماءه الحسنى) واذا كان النمو في كافة الابعاد في خط مستقيم وفي وجهة الله سبحانه، هدف كل البشر، فان ذلك يكون غاية المجتمع الاسلامي، بعد ان تتحدد في قيم واضحة المعالم (السلام، القسط، العدل، استثمار الارض، اكل الطيبات، عمل الصالحات، الدفاع عن الحق، القتال من اجل السمتضعفين و. و.). فالمجتمع الاسلامي يهدف التعالي (وتنمية ذاته في كل الابعاد) بتحقيق اسماء الله الحسنى في حياته وفي حياة كل فرد فرد من ابناءه. والتشريع الاسلامي مصبوغ بهذا الهدف العام.. ولكنه لا يشذّ عن ايّ قانون في الهدف الخاص به كتشريع وكقانون. الا وهو القسط الذي يعني الا يبخس حق ذي حق عبر فلسفة الحق التالية: الايمان بالحق صرح القيم: العقل يثق بذاته وتلك الثقة من حقائق ذاته. وحين يكشف حقيقة لا يرتاب في صحة كشفه، وفيؤمن بها، ويعترف بوجودها، وحين يعترف بذلك، يشرع في بناء صرح الحقوق الموضوعية، فالسموات حقيقة. وعقلي يكشفها لي ويجعلني اطمئن الى وجودها، وهنا اعترف بها وأومن بأنها حق. وكذلك الارض وما فيها من جماد ونبات واحياء وبشر، وانظمة طبيعية ـ تدور الارض على رحاها ـ كلها حقائق لا ريب فيها (لا اشك فيها بل تظمئن نفسي بها اطمأناناً كافياً) وبهذا الاطمئنان اعترف بها. وهنا نتساءل ماذا يعني الاعتراف بهذه الحقائق (وحسب التعبير القرآني الايمان بها)؟ يعني: ان احدّد موقعي منها بعتبارها قائمة وثابتة، ولها امتدادها واثرها عليّ. فاذا آمنت بوجود الشمس فاني اعترف بأنها تشرق عليّ. وانها تؤثر فيّ، وانها ذات أنظمة تسير بها، وأنا شخصياً اتفاعل مع تلك الانظمة (مثل قربها في الصيف وبعدها في الشتاء، وفائدة اشعتها حيناً وضررها حيناً آخر وهكذا..). ان هذا الاعتراف يعتبر بذرة الحق في ارض القانون التي تنمو وتنمو حتى تصبح شجرة باسقة فللشمس عليّ حق، يتمثل في التكيف مع وجودها ـ مثلاً اتعرض لأشعّتها عندما انتفع بها، والابتعاد عنها عند التضرر بها. وكما الشمس يفرض الاعتراف بها عليّ حقاً، كذلك الارض وما فيها فكل شيء موجود فوق هذا الكوكب يعتبر ذا حق، لأننا نعترف به، وبأنه موجود ووجوده حق، فعلينا ان نتكيف مع هذا الموجود. مثلاً: الغابة موجودة وحقها الاعتراف بها، فقد نسخرها لمصلحتنا، وهذا حقها علينا، وقد نحافظ عليها وهذا ايضاً حقها علينا، لان اعترافنا بها، يستدعي التكيف معها بصورة أو بأخرى. وهكذا تصبح المحافظة على البيئة الكونية أحد ابعاد هذه الفلسفة، التي تشمل ـ بالطبع ـ البشر بأعتباره الكائن الاقرب الينا، فكل انسان اعترف بوجوده فأني اعترف بحقه، فهو قائم يشغل حيزاً من الارض (حق الاقامة) وهو تستمر حياته بالرزق، المأوى، والصحة (الحقوق الطبيعية) وهو عاقل ـ كما أنا ـ فهو يتطلعّ الى المعرفة (حق العلم) والى التكامل المعنوي (فلا يجوز التعرض لشخصيته وعرضه). وهكذا تأتي شرعية الحقوق ـ حسب هذه الفلسفة ـ ليس من منفعة الشيء للذات (انا مثلاً) ـ ولكن من الاعتراف بوجوده كشيء موضوعي قائم بذاته. على ان الاعتراف بالحقائق انفع للبشر من الاصطدام معها وبالتالي ينتهي الايمان الى خير الذات ايضاً. وما دامت الحقوق معترف بها، فلا بدّ من تنظيمها، ليس لضرب بعضها ببعض، وانما بهدف الوفاء بها جميعاً. وهذا التنظيم هو خاصة القانون، وذلك الوفاء هدفه. وهكذا نفرّق بين خاصة القانون وهدفه كيف ذلك؟. القانون بين جوهره وغايته: صفة السيارة وميزتها وخاصتها انها تتحرك. ولكن تلك ليست الغاية من صنعها. انما الغاية منها حمل الانسان من موقع لموقع. كذلك خاصة القانون وميزته الحقيقية وجوهره انما هو تنظيم المجتمع، وبالتالي توفير الامن والاستقرار فيه فما هو هدفه؟ هدفه القسط (واعطاء كل ذي حق حقه) فاذا قلت: هناك سيارة صنعت بلا حركة، قلت لك: انها ليست السيارة بل زبر الحديد، كذلك إذا قلنا: هناك قانون لا ينظم الحياة ولا يوفرّ الأمن قلنا انه ـ أذاً ـ ليس بقانون، اما اذا قلنا هناك قانون غير عادل، فان المعنى مستقيم، ولكن مثل هذا القانون ناقص ويجب ان يصلح حتى يصبح كاملاً.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|