فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
4/ الإتجاه العام لقد درس المؤرخ البريطاني المعروف «آرنولد توينبي» فلسفة التاريخ من زاوية التحدي والاستجابة له، وتوصل الى نتائج هامّة ابرزها: ان الشعب الذي حقق حضارة لم يحققها نتيجة لمواهب بيولوجية عليا، أو بيئة جغرافية، ولكن استجابه لتحدي موقف ذي صعوبة خاصة، استثاره لبذل جهد لم يقم به من قبل456. وهكذا يرى ان الاحوال الصعبة ـ اكثر من السهلة ـ هي التي تولّد هذه الاعمال المجيدة457. ويعتقد ان هناك نوعين من التحدي: نوعاً داخلياً يتمثل في قلة الموارد، ونوعاً خارجياً يتمثل في العدوان. ويورد سلسلة من ازواج البيئات المتجاوزة، حيث يبرهن على ان البيئة المبتدعة (للحضارة) هي البيئة الاشدّ وعورة 458 كما يضرب امثلة لحافز الضربات الخارجية، من واقع التاريخ الهيليني، والغربي، وكيف ان الهزيمة الساحقة الفجائية كفيلة باستثارة الجانب المهزوم459. ويعتقد: ان استثارة التحدي تورث التسامي، الذي يعين التغلب على الحواجز المادية، واطلاق طاقات المجتمع من عقالها، لتستجيب التي تغدو داخلية، اكثر منها خارجية، روحانية اعظم منها مادية460. وهكذا يكون المجتمع، ميداناً للعمل من قبل عدد من الكائنات البشرية، ضمن نظام العلاقات، فلا يطغى المجتمع على الفرد، ولا يكون حشداً من ذرات هي الافراد461. ويرى ان الحضارة تنشأ من ابداع اقلية (تعتزل المجتمع فترة ثم تعود بأفكار جديدة) ومن اكثرية مقتنعة مقلدة (تحاكي الاقلية) وان انهيار الحضارة يبدأ بسبب فقدان الاقلية لللابداع، وفقدان الاكثرية، للإبداع، فتصبح الاقلية مسيطرة ، والاكثرية نافرة462. وهكذا تتحدد ـ في نظر توينبي ـ القيم الحضارية عن نقيضتها المختلفة، ويختلف المجتمع الصاعد عن الآخر النازل، في مجمل القيم، ولكن الحضارة في أيام تحللها لا تفقد قيماً مضيئة، بل في رأيي ان اعظم تجليات القيم، كانت في بدايات التحلل، حيث ان المخلصين يقومون بآخر محاولات الانقاذ، ولاتي تعتمد على الانذار الشديد من مغبة الاسترسال مع الامراض المادية (الاسراف ـ الظلم ـ الاستكبار وما اشبه) ولكن الامم التي اخلدت الى الخفض والدعة، تصمّ اذانها عن النذر، وتموت وقد اتمّ الله سبحانه عليها الحجة البالغة. وهكذا لم يكن غريباً ان تعلو كلمات الوحي في مثل هذه اللحظات. وحسب توينبي: ان لكل من حضارات الجيل الثالث التي ما تزال قائمة في الوقت الحاضر، عقيدة دينية تعتبر قوام تلك الحضارة. وعن طريق الدين تتصل الحضارة بصلة النسب بحضارة اخرى من حضارات الجيل الثاني، ويقرن المؤلف (توينبي) قيام الحضارات وسقوطها بدورات عجلة دولاب، تدفع عربة الدين الى الامام. ويعرض المؤلف (توينبي) خطوات التقدم الديني ماثلة في اسماء إبراهيم وموسى والانبياء العبرانيين والمسيح ـ عليهم السلام ـ ويعتبر كلاً ـ منهم على التوالي ـ ثمرة لتحللّ المجتعات، السومرية، والمصرية، والبابلية، والهيلينية463. نستخلص مما مضى الافكار التالية: 1ـ ان لكل شعب روحاً ناشئاً من مرحلة حضارية، ومن جملة التحديات الداخلية والخارجية، التي يواجهها في تلك المرحلة، وطريقة استجابته لها. 2ـ ان هذه الروح تفرز قيماً معينة. 3ـ ان الرسالات الإلهية تأتي لتنقذ الحضارة البشرية والمجتمع الانساني وتنذره، قبل دماره بسبب انحلاله الحضاري. وقد يستجيب البشر لذلك النداء الإلهي (مثل قوم يونس) وقد لا يستجيبون (مثل قوم نوح) فيهلكون. 4ـ ان هذا التحدي وتلك المرحلة الحضارية يشكلان معاً محور القيم المتغيرة (الحياتية) والتي تصبح ـ بدورها ـ مصدراً للتشريعات القانونية، وما لم اجده في كتابات توينبي، السبب الذي يجعل بعض الشعوب يستجيب للتحدي، بينما لا يستجيب له الآخرون. أو يستجيب هذا الشعب للتحدي في فترة ولا يستجيب له فترة اخرى وقد توصّلت من خلال دراساتي الى إنّ الفكرة الحضارية، التي ـ عادة ـ ما تكون وحياً الهياً أو قبساً من وحي، هي التي تهبط على ارض التحدي فتنبت الحضارة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|