فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
5/ مكوّنات المجتمع
ويبدو ان المؤلف الفرنسي المعروف «منتسكيو» كان يبحث عن هذه الروح في كتابه الذي يرى البعض انه (روح الشرائع) كان اعظم كتاب فرنسي الف في القرن الثامن عشر 464. ولقد فتح باباً واسعاً على علاقة التشريع بطبيعة الظروف، وحاول ان يدرس المتغيرات التي تتدخل في وضع القوانين. ومن هنا سمّى كتابه بـ(الروح) لأنه كان يتصور ان للشرائع ظاهراً وباطناً، وباطنها روحها وقيمها، التي تختلف من شعب لآخر. ويقول في مقدمة كتابه: «ولا ينبغي للقوانين السياسية والمدنيةّ في كل امة ان تكون غير الاحوال الخاصة التي يطبّق عليها الموجب البشري. (العامل الانساني) ويجب ان تكون تلك القوانين خاصة بطبيعة البلد. خاصة بالإقليم البارد أو الحار أو المعتدل.
وبطبيعة الارض وموقعها وأتّساعها، وبجنس حياة الأمم أو الزراع أو الصائدين أو الرعاة. ويجب ان تناسب درجة الحرية التي يمكن ان يبيحها لهم النظام. ودين الاهليين وعواطفهم وغناهم، وعددهم وطبائعهم ومناهجهم465.
وقد فصل الحديث في كتابه الضخم في هذا الحقل واستفاد من دراستاته المسهبة في التاريخ والتي اخفق فيها حيناً واصاب احياناً.
ويتخذ مقياساً لمعرفة القيم يتمثل في قانون العقوبات حيث يتبين اهمية القيم عند الامم عادة عند وضع العقوبات فكلما كانت القيمة اعظم والحاجة اليها اشد كانت عقوبة تركها اكبر466.
وهكذا يرى ضرورة دراسة طبيعة المجتمع الحكم القائم فيه، والمكونات الثقافية والبيئية والتاريخية التي تصبغ حياته.
ويرى: ان القوانين ـ في اوسع معناها ـ (يقصد ما يشمل القوانين الطبيعية) هي العلاقات الضرورية المشتقّة من طبيعة الاشياء467.
ويرى: ان اكثر الحكومات ملائمة للطبيعة، هي الحكومة التي تكون ذات وضع يوافق اكثر من غيره وضع الشعب الذي قامت من اجله468 ويضيف: ويجب ان تكون تلك القوانين خاصة بطبيعة البلد خاصة بالاقليم البارد أو الحار أو المعتدل، وبطبيعة الارض وموقعها واتساعها، وبجنس حياة الامم أو الزراع أو الصائدين أو الرعاة. ويجب ان تناسب درجة الحرية التي يمكن ان يبيحها النظام، ودين الأهليين وعواطفهم وغناهم وعددهم وتجارتهم، وطبائعهم ومناهجهم، ثم يوجد لتلك القوانين صلات فيما بينها، صلات بأصلها وبمقصد المتشرع، وبنظام الامور التي قامت عليها، فيجب ان ينظر اليها من جميع هذه الاغراض469.
ومن خلال نظرة خاطفة لكتاب (منتسكيو) الضخم، نصل الى هذه النتيجة التي يريد اثباتها، وعملاً وفق لذلك بنسبة كبيرة هي: ان هناك صلة قريبة بين وضع القوانين، وبين الامور التالية:
أولاً: صلة التشريع بطبيعة الحكومة من جمهورية (على الطراز الروماني القديم) أو ملكية أو مستبدة. ويتحدث طويلاً عن القيم الاخلاقية التي تناسب شكل الحكومة (النظام السياسي) والتربية المناسبة لها. وكذلك القوانين التي تتلائم ولك نوع منها مثلاً:
كيف يجب ان نزرع في نفوس الشعب في النظام الديمقراطي حبّ الجمهورية وحب المساواة، والقناعة، كما انه يتحدث عن طريقة سن القوانين ومدى بساطتها وصراحتها في كل النظام سياسي. وما هي عوامل الفساد في كل من هذه الانظمة.
ثانياً: يبّين علاقة القوانين بوضع الدفاع عن المجتمع، وكيفية تدبير السلامة في النظام الجمهوري أو الملكي. ويتحدث عن الحرب وعن الحرية في مختلف الانظمة وصلة جباية الضرائب بالحرية.
ثالثاً: صلة القوانين بطبيعة الاقليم فيقول: إذا كان من الصحيح ان سجية النفس واهواء القلب تختلفان الى الغاية في مختلف الاقاليم فان على القوانين ان تكون تابعة لاختلاف هذه الاهواء، واختلاف هذه السجايا470.
فمثلاً: يرى ان طبيعة الانسان في البلاد الباردة تدعوهم الى ثقة بالغة بالنفس.
وعزوف عن الانتقام. واهتمام بالحرية، بينما في البلاد الحارة (ويضرب مثلاً بالهند) تدعو الطبيعة البشر الى قلّة الشجاعة ولكن الانسان هناك أوتي خيالاً بالغ الشدة، لمقابلة نقص الشجاعة471.
ويعتقد ان من الطبيعي، ان تؤدي جودة الارضين في بلد الى الخضوع، فأهل الارياف الذين يؤلّف منهم فريق الشعب المهم، ليسوا كثيري الغيرة على حريتهم، ويعلّل ذلك بأن الأرياف الطافحة ارزاقاً، تخشى السلب وتخشى الجيش، ويضيف: وهكذا توجد حكومة الفرد في البلدان الخصيبة، غالباً، وتوجد حكومة الجماعة في البلدان غير الخصيبة.
ويعتقد: انه ادّت جدوبة ارض الآتيك الى قيام حكومة شعبية فيها، وادّى خصب ارض اسبارطة الى قيام حكومة اريستوقراطية472.
ويقول: ويحافظ الجبليون على حكومة اكثر اعتدالاً، لأنهم اقل عرضة للفتح، ويسهل عليهم الدفاع عن انفسهم473.
ويرى: ان جدوبة الارض تجعل الناس ماهرين زاهدين جلاداً، وان شعوب الجزر اكثر من شعوب اليابسة ميلاً للحرية، وان البلاد لا تزرع (أي لا تعمر) بسبب خصبها وانما بسبب حريتها474 وهكذا تدعوا البلاد، التي جعلها صنع الناس صالحة للسكن والتي تحتاج الى مثل هذا الصنع لبقائها حكومة معتدلة اليها. ويوجد ثلاثة بلاد من هذا النوع مبدئياً وهي الولايتان الجميلتان في الصين كيانغ نان وشكيانغ، ومصر وهولنده475.
وهكذا يرى منتسكيو: ان حاجة مثل هذه البلاد، الى عناية فائقة، لتبقى خيرات البلاد قائمة، فرضت عليهم قوانين معتدلة.
ويعتقد ان مستوى الاقتصاد يؤتى على طبيعة القوانين، فكلما تطور الاقتصاد، كلما احتاج الى قوانين متطوره، وبالترتيب التالي. الصيد، الرعي، الزراعة، التجارة، وهكذا تصبح المسافة واسعة بين شعب يعيش على التجارة فيحتاج الى انظمة متطورة والذي يعيش على الصيد أو الرعي476.
ويقول: باختصار ـ تسيطر على الناس اشياء كثيرة: الاقليم والدين والقوانين ومبادئ الحكومة وامثال الامور الماضية والعادات والاطوار فيتألف من ذلك روح عامة تنشأ عنه، وعلى قدر ما تؤثر احدى هذه العلل تأثيراً اقوى من غيرها تذعن له الاخرى477.
وعن التجارة يرى: انه ما مما تؤدي اليه روح التجارة في الناس، ظهور شعور بالعدل تام، مناقض لقطع الطرق من ناحية، ومناقض ـ من ناحية اخرى ـ لتلك الفضائل الخلقية التي تحول ـ دائماً ـ دون جدال الانسان حول مصالحه جدالاً عنيفاً478.
ويعتقد ان للنقد ومدى استخدامه اثراً في طبائع الامم، حيث ان تأثير استخدام النقد (الثروة الرمزية) يؤثر في استقرار الاسعار 479 ويذكر تفصيلات عن الانظمة الاقتصادية بالذات في الاقتراض والفائدة وكيف يتصل ذلك باحوال الشعوب480.
ويعقد فصلاً حول ارتباط القوانين بعدد السكان وخصوبة النسل، وعلاقة ذلك بأحكام الزواج وقوانين مكافحة الزنا وكيف اضطرّ الرومان الى وضع قوانين لتكثير النوع 481 . وكذلك القوانين التي سنّت في فرنسا لذات الهدف482.
كما يعقد فصلاً حول اثر الدين وكيف ان المذهب الكاثوليكي اكثر ملائمة للملكية بينما البروتستانتية اكثر تناسباً مع النظام الجمهوري 483 وان كمال القوانين في الدين484 وتوافق قوانين الاخلاق وقوانين الدين485 وكيف تصلح قوانين الدّين مضار النظام السّياسي وكيف يتطابق قوة الدين وقوة القوانين486 (وانه كلما قلّ ردع القانون عن الجرائم يجب ان يقوم الدين أقوى وبالعكس ويضرب مثلاً بالدين في اليابان حيث تقلّ فيه الروادع، فيعوض عن ذلك بالقوانين الشديدة).
وهكذا يسعى منتسكيو الى معرفة العلاقة بين القوانين الموضوعة، وبين الظروف المحيطة بكل بلد. على انه يعترف بوجود قوانين ثابتة لا تتغير لأنها قوانين تعتمد على طبيعة البشر، ويعتقد ان مثل هذه القوانين هي مستوحاة من الدين فيقول:
تخضع القوانين البشرية بطبيعتها لجميع الحوادث (المتغيرات) التي تقع وتتغيّر كلما تغيرت عزائم الناس (ومدى التزامهم بالقانون) وعلى العكس، تقوم على عدم التغيرّ مطلقاً 487 ويضيف فمن الضروري للمجتمع على الخصوص ان ينطوي على شيء ثابت والدين هو هذا الشيء الثابت488.
وبالرغم من الملاحظات التي ابدتها المناقشات الموضوعية لأفكار (منتسكيو) وبالذات فيما يتصل بنظرته السلبية تجاه الدين الاسلامي. وكذلك فيما يرتبط بمجعل نظرته الى الدين.
ألا ان محاولاته الجادة لفهم المتغيرات، التي تؤثر في وضع القوانين، تعتبر خطوة شجاعة، نحو إصلاح القوانين في العالم.
ولكن افكاره التفصيله تبدو اليوم غير كافية، وقد تجاوزها تقدّم العلم في كافة الحقول التي تناولها بالبحث.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب