فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
6/ الحاجة الأهم
الخبير القانوني الأميركي (رسكوباوند) حيث حاول دراسة العوامل المؤثرة في القانون من خلال نظرة تاريخية. بعد إن افترض ان القانون يشرع استجابة لحاجة معينة في المجتمع. (وهي الحقيقة أبرز قيمة ينشدها المجتمع في ذلك الظرف) وهكذا يتناسب القانون وتلك الحاجة ويرى اربع غايات للقانون حسب الظروف وهي:
1ـ المحافظة على الاستقرار في ابسط صوره.
2ـ المحافظة على المؤسسات الاجتماعية.
3ـ التأكيد على الذات والارادة الحرّة.
4ـ الوفاء بالحاجات البشرية.
وفيما يلي نستعرض افكاره التي تبدو مقبولة نسبياً في الاوساط العلمية.
الف ـ المحافظة على الاستقرار:
أول تلك الغايات: المحافظة على السلام في مجتمع معين. وقد نشأت هذه الفكرة في مرحلة ما يمكن ان يدعى «بالقانون البدائي» فبموجب هذه النظرية، تكون غاية القانون الوفاء بالحاجة الاجتماعية للاستقرار والامن العام في أدنى اشكالها وأبسطها، والقانون ـ طبقاً لهذه النظرية ـ يتجاهل الحاجات الفردية أو الاجتماعية الاخرى أو يضحّي بها من اجل تلك الحاجة489.
ويرى ان هذا النوع المختصر من القانون كان يلائم المجتمع القائم على اساس القرابة العائلية، ويضيف قائلاً: حيث تفي المؤسسات العائلية بالجزء الاكبر من الحاجات الاجتماعية، (هناك) نجد مصدرين للإحتكاك في مثل هذا النظام: الاول هو تصادم المصالح العائلية الذي تؤدي الى الخلاف بين عائلة واخرى والثاني، هو الخلافات التي تحدث للشخص الذي لا ينتسب الى أي عائلة490.
وبعد ان يرى ان الحاجة الى القانون تصبح ملحة لتنظيم حياة اللامنتمين الى العوائل يقول: وهكذا يحلّ النظام السياسي، محل النظام العائلي، كأداة رئيسية في عملية الضبط والتنظيم الاجتماعي491.
وبهذا يرى ان القانون يفي بحاجة الضبط والامن في هذه الحدود الضيقة في مثل هذا المجتمع، لأن ابرز قيمة ينشدها هذا المجتمع هو هذا الاستقرار لا اكثر.
باء ـ المحافظة على المؤسسات الاجتماعية:
وفي المجتمع الاغريقي: حيث حلّ التنظيم السياسي للدولة مكان التنظيم العائلي، مع محافظة العوائل على سلطتها، أصبحت المشكلة هي: الصراع بين الطبقة الارستقراطية (العوائل المنظّمة) وبين جمهور الذين لا ينتمون الى عائلة. فكانت الحاجة الاجتماعية الرئيسية، التي لم توفّرها ايّة منظمة اجتماعية، هي استقرار المؤسسات الاجتماعية بشكل عام، وقد اصبح الوفاء بهذه الحاجة المتخذة شكل المحافظة على الوضع الاجتماعي القائم (اصبح هو) المفهوم اليوناني: ثم الروماني، ثم مفهوم العصر الوسيط للغاية من القانون492.
ومن هنا، كان اهم قيمة استهدف القانون تكريسها هي الحفاظ على الوضع الاجتماعي القائم.
وهكذا اصبحت الحاجة الى توسيع النظرة الى الامن حتى يصبح امن المؤسسات لا امن الافراد فقط سبباً لتطورّ القانون.
وقد عبّر هذا النوع من الامن (امن المؤسسات) أفلاطون بقوله: «ان على الحذّاء ان يكون حذّاء فقط وليس ملاحاً ايضاً، وعلى الفلاح ان يبقى فلاحاً وليس قاضياً في الوقت ذاته، وعلى الجندي ان يكون جندياً وليس تاجراً كذلك. اما اذا حضر الى المدينة الفاضلة عبقري عالمي يستطيع بحكمته ان يقوم بأيّ عمل فيجب ان يطلب منه ان يغادرها» ويضع أرسطو الفكرة ذاتها في قالب آخر حين يؤكد على ان العدل هو وضع يبقى فيه كل امرئ في نطاق الوظيفة التي أوكلت اليه493.
جيم ـ التأكيد على الحرية:
عندما بدأ النظام الاقطاعي في الاضمحلال فان الحاجة تغيرت، وكذلك تطوّر القانون ـ يقول باوند: عندما بدأت اهيمة الفرد تنمو في مجتمع دائب على الاستكشاف والاستعمار والتجارة، اصبحت الحاجة الاجتماعية الىضمان عمل الافراد بحرية، في المجالات الجديدة للنشاط الانساني التي كانت تتفتّح باستمرار، اكثر الحاحاً من تلك الناجمة عن المحافظة على المؤسسات الاجتماعية التي يطبق فيها نظام الواجبات المتبادلة ويحافظة على العلاقات الناتجة عن تلك الواجبات494.
ويضيف: وهكذا لم يخش الناس من الاحتكاك، واهدار الموارد والطاقات، نتيجة لخروجهم من الاماكن المخصصة لهم، بل كانت الخشية من محاولات إبقاءهم في امكانهم من خلال وسائل ابتكرت للوفاء بحاجات نظام اجتماعي مختلف، فيضيقون بالقيود التعسفية المفروضة عليهم، ولا يستخدمون قدراتهم في اكتشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، وتبعاً لذلك، فقد اعتبرت غاية القانون على انها تحقيق اكبر قد ممكن من تأكيد الفرد لذاته واثباتها بحرية495. وهكذا جاء القانون «لإتاحة اكبر قدر ممكن من هذا التأكيد الحرّ في عالم يزخر بالموارد غير المكشتفة والارضي غير المستصلحة. والقوى الطبيعية غير المستعملة» ولقد تشكّلت هذه الفكرة الأخيرة (كغاية للقانون) في القرن السابع عشر، وسادت في فترة القرنين التاليين ثم بلغت ذروتها في الفكر الفقهي للقرن الماضي496.
وهكذا في القرن التاسع عشر ـ حسب باوند ـ اصبحت المشكلة الاجتماعية هي التوفيق بين الارادات الحرّة المتعارضة للافراد الواعين، الذين يؤكدّون ارادتهم بصورة مستقلّة في مختلف نشاطات الحياة497.
وجاء القانون لحل هذه المشكلة حيث عبر الفيلسوف «كانت» عن ذلك حين اعتبر القانون «نظاماً من المبادئ أو القواعد العامة التي تطبق على تصرفات الانسان وتستطيع بموجبها الارادة الحرّة لكل فرد ان تتعايش مع الارادت الحرّة للجميع»498.
ويضيف: وفلسفة القانون هذه هي ـ بحق ـ فلسفة صالحة للمستكشفين والمستعمرين والرواد والتجاور ورجال الاعمال. وقادة الصناعة، والىـ ان حلّت هذه الفترة التي ازدحم فيها العالم وضاق بمن فيه ـ ادّت هذه الفلسفة دوراً في التخلص من تبايد الطاقات والموارد وفي دفع عجلة الاستكشافات واستغلال الموارد الطبيعية الى الامام499.
ويضيف قائلاً: وعند بلوغ هذه المرحلة الاخيرة من تطوّر الفكرة القائلة بأن غاية القانون السماح للافراد بممارسة اكبر قدر من التأكيد الحرّ للذات، كانت الامكانات الفقهية لهذا المفهوم قد استنفذت، فلم تعد هناك قارات جديدة تستكشف، والموارد الطبيعية كانت قد استكشفت واستغلت، ونشأت الحاجة الى الحفاظ على ما هو باق منها500.
وهذه حاجة جديدة تقتضي فقهاً جديداً. وتطوراً مناسباً للقانون. وهذه هي المرحلة الثالثة.
دال ـ الوفاء بالحاجات:
اصبحت الارادة الحرّة ـ مع تناقص الموارد والمجالات ـ تلحق الاضرار البالغة بالناس. فاصبحت الحاجة تتمثل في كبح جماحها بمعيار جديد. (غير قيمة التأكيد على الذات) وهكذا اخذت حرية مالك العقار تعرض الصحة العامة للخطر، واخذت حرية التعاقد تعوق الحياة الانسانية للفرد، بدلاً من ان تدفعها الى الامام. وهكذا اصبحت المؤسسات الاجتماعية معرضة للخطر، بسبب انفلات الناس وتحرّرهم من القيود.
وكذلك اصبحت المنافسة الحرة في استغلال الموارد تضرّ بالبيئة، وتفسد المرافق العامة. من هنا تبدل المعيار للقانون (القيمة الاساسية). وهكذا شرع الفقهاء في التفكير بالحاجات والرغبات والآمال الانسانية، بدلاً من التفكير في ارادات الناس المختلفة، ففكّروا بأن عليهم على الاقل، اشاعة التوافق والانسجام في الوفاء بالحاجات البشرية، ان لم يكن مستطاعاً تحقيق المساواة فيها501.
واصحبت هذه هي القيمة الجديدة التي تمحورت حولها الفكرة القانونية.
وقبل ان نبدي ملاحظتنا على الافكار السابقة. والمتشابة لثلاثة من الكتاب الغربيين: (توينبي، منتسكيو، باوند) والتي تناولت روح الشعب أو القيمة الاساسية التي تستقطب اهتمام المشرعين ـ قبلئذ نبيّن ملاحظتين حول افكار (باوند):
أولاً: أنه قد قسّم المرحلة الثالثة الى قسمين: حيث أكدّ في القسم الاول، ان القانون وجد من اجل المحافظة على المساواة الطبيعية 502. بينما أكد في القسم الثاني أنه وجد لكفالة الحقوق الطبيعيّة503. وبالرغم من وجود اختلاف بينهما ألا انهما من حيث النتيجة واحد حيث اقتضى التأكيد على الحرية الفردية، كقيمة سامية للقانون، ولذلك فإننا وضعناهما ضمن سياق واحد.
ثانياً: انتقد «د. كاتوزيان» تعميمات (باوند) واحكامه الكاسحة وقال: لا نستطيع قبول نتائج بحوث باوند التاريخية، التي اسهتدفت تحديد غاية القانون في كل مرحلة الا بصورة نسبية، لأنه نستطيع ان نعرف ـ من خلال دراسة سريعة ـ اننا يمكن ان نقيم القانون في أيّ مرحلة على اساس هدف خاص, مثل المحافظة على النظام والسلام أو حرية الارادة. وان القضايا الاجتماعية والانسانية اصعب (واعتقد) من ان نختصر العلاقات الناشئة منها بهذه السهولة504. وملاحظة (د. كاتوزيان) سلمية ألان اننا نسعى لتوضح وجود قيمة اسمى في كل مرحلة وهي استجابة لحاجة (أو التحدي) ونداء لـ(روح الشعب) ومن هذه الزاوية لا خلاف مع باوند ـ وفيما يلي نبين نقدنا على هذه الافكار ونبين ايضاً آراءنا في مجمل بحوث فلسفة القانون.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب