فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
8/ المذاهب القانونية تتكامل عندما استعرضنا ـ في الفصول الماضية ـ المذاهب المختلفة في فلسفة القانون، رأينا مدى الاختلاف الكبير بينها مما قد يدعو البعض الى التساؤل: أفلا يدلّ هذا الاختلاف على الجهل بحقيقة القانون؟ والجواب حقاً: ان القانون صورة عن الانسان، والانسان لا يزال اكبر مجهول عند نفسه ـ ولكن اختلاف المذاهب القانونية ربما دلّ على تعمّق العلم في اغوار حياة البشر حيث اختار كل مذهب جانباً من حياته فتعمق فيه، وانما ضر بعض المذاهب ببعضها، أولد هذا التساؤل اما اذا اكلمنا بعضها ببعض، استطعنا معرفة ابعاد حياة الانسان، معرفة افضل. فيحن تحدّث مذهب عن دور الارادة في تشريع القانون (المذهب الارادي) لم يترك البحث عند هذا الحدّ، انما تعمق في معنى الارادة وشرعيتها 506 ومعنى التشريع، وبالتالي، اعطانا صورة اوضح مما مضى عن هذا البعد من القانون، كذلك المذهب الصوري (كلسن مثلاً) طوّر نظرية مفيدة في علاقة بنود القانون ببعضها ـ وهكذا المذاهب الاجتماعية، اغنت افكارنا في علاقة القانون بتطور المجتمع ـ وهكذا. والسؤال: كيف نكمّل مسيرة التكامل بين المذاهب المختلفة، حتى نحصل على النظرية الاقرب الى الواقعية، والتي نجد شواهد لها في النظرية الاسلامية؟ لعلّ البصائر التالية ـ تعطينا الاجابة عن ذلك. الف ـ في البدء نعرف ان للقانون مبادئ ثابتة، هي تلك القيم العليا، التي تستوحى في العقل والوحي وتتناسب مع سنن الله (وتقديره وقانونه) في طبيعة الانسان وفي الحياة والتي فطر كل انسان عليها ولا تختلف من عصر لآخر ولا من شعب لآخر. وقد بحث في ذلك المذهب الطبيعي، وتحدثنا عنه في بحوثنا السابقة. باء ـ ثم ان للقانون شكلاً (صورة) وجوهراً (محتوى). وصورة القانون هي تلك التشريعات التي تبدأ بالدستور، وتنتهي باللوائح، وتمرّ بالمواد القانونية، وهذه الضورة لا تصبح قانوناً، لا بعد مروره بتشريع مشرع (وحي ـ أو حاكم ـ أو مجلس تشريعي) وعن صورة القانون وعلاقة بنوده ببعضه، وارادة المشرّع. يتحدث المذهب الصوري والارادي. ولا ريب في اهمية دور هذين المذهبين في سبر غور القانون وفقه ابعاده. جيم ـ محتوى القانون يتكيف مع طبيعة الأنسان والمؤثرات التي تؤثر فيه تنعكس على القانون الذي يشرع من اجله. ومعروف ان الانسان عقل وارادة عليا ـ وايضاً شهوات وهواء، وحاجات مادية. والقانون الذي يلغي احد جانبي حياته، يعتبر فاشلاً ولأنه عقل، فهو يتطلّع الى اخلاق فاضلة وقيم يتجاوز ذاته بها، ومن هنا ينبغي ان يكون القانون هادياً له الى حياة افضل. ولا يجوز ان يكون صورة طبق الاصل لواقعه انّى كان فاضلاً. دال ـ كما ان الانسان يتأثر بتاريخه، وبتلك التراكمات من التجارب، ولذلك فإلغاء تاريخ البشر في القانون إلغاء لأصله، وهكذا نعلم بأهمية المذهب التاريخي والتجريبي. هاء ـ والقانون يوضع من قبل دولة حاكمة ـ فلا يجوز إلغاء دورها وصبغتها عن مجريات القانون، وهذا محتوى المذهب السلطوي (هيجل ورسو). ولكن السلطة ليست صاحبة الحق في تنفيذ اهواءها على الناس. وهنا علينا الا نشبّه بين السلطة المنفذّة للقانون والسلطة المشرّعة له. صحيح ان هناك تفاعلاً بينهما، وتأثيرات متبادلة، ولكن جوهر القانون ومحتواه يجب ان يكون بعيداً عن ميول السلطات وأهواءهم. واو ـ وانما يوضع القانون من اجل المجتمع الانساني، والمجتمع كتلة من الحاجات والتطلّعات، ويتطور المجتمع بين حين وآخر، وعلينا دراسة هذا المجمع دراسة وافية، حتى لا نضع قانوناً مخالفاً لمصالحه أو قيمه، وهكذاتجدنا وجهاً مع المذهب الاجتماعي والنفعي والواقعي، وبالتالي مع نظرية الهندسة الاجتماعية لرسكو باوند. التي ـ تبدو من حيث المجتمع ـ نظرية واقعية تنسجم مع نظرية الحق التي بحثناها سابقاً، ولكنها عندما تتحول الى تفاصيل قد لا تصلح ألا لهذه الفترة من تطور المجتمع الاميركي الذي صيغت النظرية من أجله. زاء ـ وسائل الانتاج، ومستوى التقدم الاقتصادي، ذات أثر بالغ على اغلب الناس. ويؤثر بالتالي على القانون مما يجعلنا ندرس الحياة الاقتصادية وتفاعلها مع القانون. حاء ـ وهكذا يرتبط اغلب حقول العلم بالقانون من خلال اهتمامها بحياة الانسان، ودراسته متغيرات حياته. والانظمة الطبيعية (السنن الإلهية) التي تجري عليها، ومن هنا فإن القانون السليم هو الذي يتواصل مع سائر العلوم الانسانية، ويستفيد من كافة الخبراء. وذلك عبر شبكة واسعة من مراكز الدراسات القانونية ذات الصلة بالحقول المختلفة للعلوم. (مركز لدراسة القانون من خلال تجارب علم الاجتماع وآخر لدراسته من خلال تجارب ونظريات علم الاقتصاد وهكذا).
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|