فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
12/ بحث مقارن حول معرفة الاولويات الى جانب المعايير التي استعرضناها آنفاً، حول الاولويات في القيم، نجد معايير اتخذها الفقهاء، وعلماء اصول الشريعة وفلاسفة القيم، ولتكميل الصورة نستعرض بإذن الله ثلاثة آراء منها، ونناقشها بأختصار. الاول: رأي (الشاطبي) وهو من كبار علماء الماكية، وتبعه سائر علماء الاصول تقريباً. الثاني: رأي «الغزالي» وتبعه ـ فيمن رأيت ت الكاتب المعروف علال الفاسي. الثالث: رأي الفيلسوف الأميركي المتأخر (بيري). الف ـ الشاطبي: المصالح الخمسة يقسم الشاطبي في كتابه الشهير الموافقات الجزء الثاني (ص8) المصالح (القيم) الشرعية الى ثلاثة اقسام: الاولى: ضرورية، تعمتد عليها اصل القيمة، مثل حرمة القتل والطعام الضروي لبقاء الحياة. الثانية: وحاجية، تعتمد عليها القيمة كحفظ الامن العام لحفظ النفس، وتشريع المعلاملات لضمان استمرار المعايش. الثالثة: التحسينيّة والمراد منها اتيان المصلحة بما يليق والأمور الجمالية (التحسينيّة) مثل آداب حفظ الأمن العام وكذلك آداب الطعام. ويعّرف الشاطبي القسم الاول بما يعم الفساد بانعدامه، ويُعرّف القسم الثاني، بما يسبب الحرج بانعدامه، وأما القسم الثالث فيعرفه، بما يليق بمكارم الاخلاق. ثم يقسم الضرويات الى خمس ويقول: ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا انها مراعاة في كل ملّة511. وقد نقل بعضهم عن شرح التحرير: حصر المقاصد في هذه الخمسة، ثابت بالنظر للواقع، وعادات الملل والشرائع بالاستقراء512. واعتبروا هذا التقسيم، وهو سلّم الاولويات في المصالح، كما اعتبروا الترتيب السابق بين المصالح معتمداً في هذا السلّم، يقول عن ذلك الدكتور حسين حامد حسان: ولهذا التقسيم اهمية كبيرة عندما تكون الواعقة مناطاً لمصلحتين أو مقصودين 513 إذ يجب ترجيح احدى المصلحتين على الاخرى. وقد قررّ كتاب الاصول: ان المصلحة الضرورية، تقدم على المصلحة الحاجية والاخيرة تقدم على المصلحة التحسينية، كما قرروا ان هناك ترتيباً معيناً للمصالح الضرورية فيما بينها، بحيث تقدم مصلحة الدين على النفس، والنفس على العقل، والعقل على النسل، والنسل على المال، واخيراً فأن كل مصلحة مكملة لها ـ من حيث هي تكملة ـ شرط، وهو الّا يعود على ـ الّا حمل بالابطال، فاذا كان اعتبار المصلحة المكتملة يؤدي الى فوات اصلها فأن هذه التكلمة يسقط اعتبارها. وهذا يطبق على المصالح الحاجية مع الضرورية والتحسينية مع الحاجية514 ويضرب الشاطبي مثلاً لذلك بقوله: ان حفظ المهجة (النفس) مهم كلّي (ضروري) وحفظ المروءات مستحسن، فحرّمت النجاسات حفظاً للمروءات، واجراء لاصلها على محاسن العادات، فإن دعت الضرورة الى احياء المهجة بتناول النجس كان تناوله اولى. وكذلك اصل البيع ضروري، ومنع الضرر والجهالة مكمل فلو اشترط نفي الضرر جملة (دائماً وبصيغة مطلقة) لا نحسم باب البيع (ولم نجد بيعاً لا ضرر فيه مطلقاً) 515. «وكذلك الجهاد مع ولاة الجور قال العلماء بجوازه قال مالك: لو ترك ذلك لكان ضرراً على المسلمين فالجهاد ضروري، والوالي فيه ضروري، والعدالة فيه مكملة للضرورة، والمكمل اذا عاد للأصل بالابطال لم يعتبر، ولذلك جاء الامر بالجهاد مع ولاة الجور عن النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ»، ثم نقل في الهامش نصاً عن النبي يقول فيه الجهاد واجب عليكم مع كل أميربراً كان أو فاجراً516. نقد نظرية الشاطبي: نختصر الحديث عن نقد هذه النظرية في أمور: الف ـ خلاصة افكاره في الاولوية تعتمد على معيارين: الاول: تسلسل الضروريات والحاجيات والتكميليات. والثاني: تسلسل القيم الخمس، الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فكل يسبق في التقديم صاحبه حسب هذا الترتيب. باء ـ بالنسبة الى المعيار الاول، فانه يبدو سليماً، لولا ان تمييز هذه المصالح عن بعضها في الاحكام لا يبدو دائماً سهلاً، إذ لا نعرف دائماً حكمة الشرائع بعلم، بل قد تُعرف بتصورات وظنون، والظن لا يغني في فقه الشرع، اللهم الّا ان نتوصل الى فقه القيم ببعض المعايير التي سبق الحديث عنها في الفصل الماضي. ثم ان هناك معيار الكثرة والقلّة الذي سوف نستعرضه انشاء الله، وهو قد يستوجب تقديم مصلحة على ما هي اقلّ منها درجة مثلاً: قد يسبب الجهاد مع امام ظالم في معركة صغيرة، بفتح بلد لا ينفع الامة شيئاً، قد يسبّب في دعم حكمه الجائر، مما يعود على الامة بضرر كبير في الاقتصاد، (ادارة التجارية مثلاً) يعتبر حاجياً لا يستوجب تركه فساداً (فلا يعتبر ضرورياً) ولكنه يسبب حرجاً (فيعتبر حاجياً) حسب مصطلحهم. فماذا نقدم؟ هل نقدم أمراً ضرورياً، ولكنه محدود جداً، أم امراً حاجياً ولكنه عام وشامل جداً؟ جيم ـ الترتيب الذي اعتمده الشاطبي في المصالح الضرورية، هو الآخر يخضع لهذا المعيار القادم، معيار الكثرة والقلة، فلو استوجب المحافظة على اموال الامة قتل شخص منهم فان المال هنا يقدم على النفس، لأن حفظه يصبح حفظاً للنظام العام، ويعتبر ترك حفظه مفسدة. على ان هذا الترتيب ـ بذاته ـ غير معلوم من النصوص الشرعية؛ فمن قال ان حفظ الدين مقدم على النفس بوجه عام، فقد يكون حفظ النفس اهم لأن الدين شرع للنفس وقد قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم»517. وقال عن قصة المكره على التظاهر بالكفر: «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان»518. فالحياة هي الاصل ـ بنص الدين ودلالة العقل وفطرة الوجدان انما سائر المصالح جاءت من اجل الانسان، بلى قد تقدم مصلحة الدين باعتباره يحتوي على جملة المصالح الانسانية وذلك من باب المعايير المرعية. كذلك بين العقل والنسل، ثم بين النسل والمال، ليس هناك شاهد من عقل أو شرع، بتقديم العقل على النسل، والنسل على المال بصورة مطلقة، بل يرجع الامر الى سائر المعايير، فاذا كان الانسان يصاب بعاهة دائمة في عقله أو في سائر قواه الاساسية بسبب الزواج منعنا عنه الزواج، وقدمنا سلامته على انجابه ولكن هذا بسبب اصالة حفظ النفس وليس بسبب تقدم العقل على النسل، وكذلك لو اقتضى الزواج ذهاب كل اموال الشخص فلا يقدم عليه، لأن الاصل هو مصلحة الانسان ذاته، وانما تتدرج مصالح الآخرين على اساسها، حسب الترتيب الرحمي، فاذا تقديم العقل وسائر الاعضاء والقوى، كما تقديم المال على النسل، قائم على اساس معيار تقديم النفس على الغير، وهو لا يعارض سائر المعايير، مثلاً لو ان النوع البشري في منطقة، تعرضّ لخطر الانقراض، فان كل شيء يضحى من اجل بقاءه، وعموماً اقوال الاصوليين في قضية النسل لا تبدو واضحة بقدر كاف. وهكذا نكتفي بهذه الملاحظات على رأي الشاطبي الذي احتوى ـ لاريب ـ على كثير من النقاط المضيئة. باء ـ الغزالي: ومعيار العام والخاص الغزالي تعرض للحديث عن معيار المصلحة العامة والخاصة فقال: وتنقسم (المصلحة) قسمة اخرى، بالاضافة الى مراتبها في الوضوح والخفاء، فمنها ما يتعلق بمصلحة عامة في حق الخلق كافة، ومنها ما يتعلق بمصلحة الاغلب، ومنها ما يتعلق بمصلحة شخص عامة في واقعة نادرة519. ويقول الدكتور حسان: ان هذا التقسيم لم أر من صرّح به غير الامام الغزالي520. ويفصل الكاتب علال الفاسي القول في هذا الامر ويقول: ان مصلحة الجماعة تقدم على مصلحة الفرد وان على الفرد أن يضحي بمصالحه في سبيل النفع العام العائد على المجموع، ويضيف قائلاً: ويتفرّع على هذا الاصل حق الدولة في التوجيه الاقتصادي إذا دعت اليه المصلحة العامة، فيمكنها ان تسعّر اثمان البضائع اذا كان يترتب على تركه الإضرار بالناس، كما يمكنها بيع طعام المحتكرين عند الحاجة اليه جبراً والزامهم بعد ذلك باتباع نظام المؤنة المطبق على الجميع، وتأميم بعض المشروعات الكبرى اذا كان في اطلاقها تزاحم يؤدي الى تراكم رأس المال في يد قلة فيصبح به المال دولة بين فئة قليلة من الاغنياء، لاسيما اذا كان ذلك في صالح المستهلك وصالح اقتصاد الدولة العام521. ويضرب الدكتور (حسان) مثلاً لذلك بالقول: ومثال المصالح العامة في حق كافة الخلق، المصلحة القاضية بقتل المبتدع الداعي الى بدعته اذا غلب على الظن ضرره، وصار ذلك الضرر كلياً، ويضيف قائلاً: ومثال المصلحة الخاصة النادرة، المصلحة القاضية بفسخ نكاح زوجة المفقود522. يبقى ان نسأل الغزالي وتابعيه، عن الحجة في تقديم المصلحة العامة، ولم يقيموها ـ حسب علمنا ـ بل انما ارسلوها ارسال القضايا الواضحة، وبالرغم من انها تبدو كذلك، ألا ان دراسة اصل هذا القول تساعدنا في معرفة ابعادها وما يمكن ان تقام حجة على هذا القول ـ فيما يبدو لي ـ الامور التالية: اولاً: بديهة العقل إذ ان احترام حقوق المجتمع اعظم من احترام حق الفرد، لأن المجتمع هو الآخر متكون من افراد. ويلاحظ على هذه الحجة، ان هذه البديهة كيف غابت عن تذكرة الشرع المقدس، علماً بأن الكتاب الكريم لم يدع بصيرة شرعية الا وذكّرنا بها. ثانياً: موارد تقديمك الشريعة للمصالح العامة على المصالح الخاصة، وهي كثيرة وبعض الامثلة الآنفة الذكر تعتبر منها وهي تشهد على ذلك وغيرها كثير. ونقدنا على هذه الحجة، انها تصلح مؤيدة، ولكن لا تصلح دليلاً، لأنها استقراء ناقص لا ينفع ألا من افادة يقيناً كافياً، فان اعتماد هذه القاعدة الاساسية من دون علم كان يعتبر نوعاً من الاسترسال أو حتى العمل بالظن. ثالثاً: ان المصالح الشرعية تعتمد ادلتها ونصوصها، وهذه النصوص القيت الى العرف ولأن العرف ـ وبالذات عرف الفقهاء والعارفين بلغة الكتاب ومنطق الشريعة ـ يستنبط من تلك الادلة، انها تهتم بحالة سائر ابناء المجتمع، لا أفراد منهم على حساب الآخرين، وهذا المنهج في فقه النصوص، يجعلنا على ثقة بأن المصلحة العامة مقدمة على المصالح الفردية. فمثلاً قوله سبحانه: «ولا تؤتوا السفهاء اموالكم، التي جعل الله لكم قياماً، وارزقوهم فيها، واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً»523. فهذه الآية الكريمة تدلّ على احترام المال، ولكن ليس مال الفرد على حساب المجموع بل مال الناس اجمعين. وكذلك قوله سبحانه: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلّكم تتقون»524. هنا ايضاً احترام الدم (الحياة) مطلوب، ولكن ليست حياة الفرد على حساب المجتمع، ولكن حياة المجتمع كله. وهكذا سائر ادلّة المصالح والحقوق، تهدينا الى اهمية القيم بصورة عامة، وليست بصورة جزئية أو فردية. وهكذا ادلة نفي الضرر كقوله سبحانه: «الّا ما اضطررتم» أو قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (لا ضرر ولا ضرار) وكذلك ادلة نفي الحرج كقوله سبحانه «وما عليكم في الدين من حرج» 525 أو نفي العسر كقوله سبحانه: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»526. كل تلك الادلة ذات لغة عامة، كما ترى، ولا يستفيد منها العرف الا احترام حقوق الناس جميعاً، وهكذا تهدينا الى تفضيل المصلحة الاعم على المصلحة الاخص، فاذا انتفى الضرر شرعاً وعرفنا ان مراد الشرع عدم وقوع ضرر ابداً فعلينا ان نسعى لتقليل نسبة الضرر انّى استطعنا الى ذلك سبيلاً، ولا ريب ان ضرر الف فرد اعظم من ضرر عشرة، وعند تقديم ضرر الالف على عشرة فاننا ساهمنا ـ عرفاً ـ في إلحاق الضرر بالناس وليس في نفيه عنهم. وهكذا يقدم نفي الاكثر على نفي الاقل، حسب هذا النص، لأنه اخذ الضرر بصفة مطلقة، وليس متحققاً في اشخاص. وحسب هذا الدليل، فان علينا ان نسعى لتأمين حقوق الفرد ـ ايضاً ـ بكل وسيلة ممكنة، لرعايتها الى جنب الاهتمام بالصالح العام.. لأن دليل احترام حقوق الافراد، لا يزال سالماً، ولا يسقط بمجرد مزاحمته مع المصلحة العامة، وبتعبير آخر، بما ان الدليل لا يسقط حين تتزاحم مصاديقه، لأن في كل مصداق يتجلّى ملاكه، فان الواجب السعي لتحقيق كل المصاديق، مثلاً.. الحياة محترمة وعلينا ان نسعى لبقاءها في كل شخص، واذا تزاحمت حياة فرد مع حياة المجموع، فاننا نحترم حياة المجموع، ولكن نسعى في ذات الوقت المحافظة على حياة هذا الفرد الىآخر لحظة ممكنه، وبكل وسيلة متاحة، فاذا اشتعلت الحرب وكان علينا ان نضحّي بحياة البعض للمحافظة على حياة المجتمع، فلا يعني هذا سقوط احترام حياة المقاتلين، بل لابد من السعي ايضاً لتقليل نسبة الخسائر فيهم بكل وسيلة ممكنة. وهكذا الملكية (المال) محترمة، فاذا وجبت التضحية بملكية من يقع بيته على الطريق، تقديماً للصالح العام، فعلينا احترام مكليتة بالقدر الممكن، وبأية وسيلة متاحة. مثلاً: تعويضها تعويضاً مناسباً، وان نقول لصاحبها قولاً معروفاً وهكذا. ولهذه المفارقة اهمية كبيرة عند وضع التشريعات، وكذلك عند تطبيق القرارات ذات السمة العامة. وعلى أيّ حال، فان تقديم المصلحة العامة، يجب الا يتخذ وسيلة لضياع حق الافراد، كما فعلت الدول الاشتراكية، أو التي تقودها انظمة قمعية. بين المصالح الاهم والمصالح الاعم: والمصالح الاعم يجب الا تحجبنا عن النظر الى المصالح الاهم، فليست شمولية المصالح وحدها معياراً بل هناك معيار الاهمية ايضاً، فلو افترضنا ان تقدم البلاد اقتصادياً يعتمد على موت مجموعة من الناس، فهنا تتزاحم المصالح ذات الاهمية، بالتي هي ذات الشمولية، وعلينا ان نقيمهما وفق المعايير العليا مثل الفساد في الاراض، فاذا ادّى خراب البلاد اقتصادياً الى الفساد العريض وهلاك الحرث والنسل مستقبلاً فقد نقدمها ولكن في الحالات الطبيعية يقدم حفظ النفوس على تقدم البلاد. وهكذا تتقدم مصلحة كرامة الامة، واستقلالها على تقدمها الاقتصادي، الا عند خوف الفساد العريض. وبكلمة علينا استخدام كافة المعايير التي نستوحيها من الشريعة، عند تزاحم المصالح، وفي ذات الوقت لا نضيع مصلحة، وقيمة الا بقدر الضرورة. جيم ـ سلّم الاولويات عند الواقعية الجديدة يمثل هذا الآتجاه اليوم الفيلسوف الأميركي (بارتون بيري) وفيمايلي نستعرض ـ بإذن الله ـ نظرياته من خلال دراسة كتبها د.عطية. يرى بيري: ان معظم الاشياء التي نسمهيا خيراً لا يكون لها قيمة الا من حيث انها وسيلة لخير اشمل منها527. ويعتقد بتفاضيل القيم (والتي يسميها بالاهتمامات) عبر أربع زوايا، طبيعتها، وموضعها من هرم الوسائل والغايات، ومدى شمولها للناس، وتناسقها فيما بينها. فلندرس هذه الزوايا ونجري على لغته حيث يسمي القيمة اهتماماً، بالرغم من اعتراضنا عليه في هذه التسمية. اولا:ً طبيعة الاهتمام: يقول عن ذلك د.عطية اذا كان الاهتمام هو ما يميزّ القيمة، فهناك كثير من الحالات التي يعددها (بيري) ويرى انها ليست اهتماماً بل هي (شبه اهتمام) (فقد توجد اوصاف مختلفة تتضمن نقصاً في الاهتمام مثل الكمون)، (في مقابل الظهور) والامكانية (في مقابل الفعلية) والوجود الواهي الزائف للاهتمامات (في مقابل وجود موضوعات حقيقية للإهتمام)528. ويمضي المؤلف قدماً في بيان انواع الاهتمامات ابتداء من اضعف انواعها التي تتمثل في الاهتمام المستتر الذي يشبه الدافع، الى الاهتمام الفعلي، وبهذا يرى: ان افضل انواع الاهتمام، هو الظاهر، الواعي، المتعلق بموضوع حقيقي موجود، والايجابي (الجوع والجنس) ويعدد ستة من انواع الاهتمام، الضعيفة لوجود نقص في ذات الاهتمام529. ونقدنا على هذا المعيار انه يعالج حالة نفسية تسبق القيمة، ولا يعالج القيمة ذاتها، بينما حديثنا نحن عن سلم الاولويات في القيم، ومعايير تفاضلها، وما اشار اليه «بيري» كان يتناول الاهتمام الذي لم يصل الى مستوى القيمة. اما اذا بلغ الاهتمام درجة من الشدة والوعي جعلته قيمة الشخص وهدفه، فان شدة القيمة وضعفها لا تؤثر ـ آنئذ ـ في تفضيلها، فقد كان الفرد خائر العزيمة ذاتي التفكير فلا يأبه ـ مثلاً ـ بحقوق الناس فهل نقول: ان حقوق الناس ليست قيمة مفضلة لأن فلاناً لم يهتم بها، علما بأن الكثير من الناس لا يتفاعلون كثيراً مع القيم السامية، بالرغم من ايمانهم بها، حيث يعترفون بأن عدم التفاعل نابع من نقص فيهم، وليس من نقص في القيم. ثانياً: بين الوسيلة والغاية: أين يوجد مكان الاهتمام (القيمة) من هرم الاهتمامات التي قد تكون وسيلة وقد تكون غاية، حسب هذا المكان تكون اهميته يقول عن ذلك د.عطية. الاهتمامات اما مستقلة أو تابعة، والتعبية هنا تكمن في ان الاهتمام يوجد من اجل اهتمام آخر والاهتمام المستقل متحرك بذاته، يستمد منها واقعيته وهدفه ووسيلته، وهذا التمييز هو نفسه التمييز التقليدي بين الغايات والوسائل، فللوسائل اهميتها عند بيري، فاذا كانت الوسائل تؤثر في اختيار الغايات فسيكون سبب ذلك ان الوسائل ايضاً غايات وليست وسائل فقط530. وواضح دائماً ان القيمة التي هي وسيلة، تعتبر أقل مستوى من القيمة الغاية، ولكن لا يعني ذلك ـ طبعاً ـ الغاء دور القيم الوسيلية في الحياة، لمجرد انها وسيلة، إذ ان اختيار الوسائل عند الفرد يخضع لبعض المعايير ايضاً. ثالثاً: الشمول: يستشهد (بيري) لتوضيح فكرته عن هذا المعيار بنص ينقله عن (ماركوس أورليوس) يقول فيه: 1/ نحن لا نختار الا الافضل، فالتفضل (الافضلية) هو مقياس اختيار الاشياء. 2/ والافضل لا نصل اليه بشكل نظري أو مجرد بل يرتبط الافضل بالنافع. 3/ وان النافع ليس خاصاً بالفرج من حيث هو مخلوق، بل باعتباره ممثلاً للنوع الانساني، والعقل عنده هو المقياس العام الذي يميز الانسان (به) والذي على اساسه نختار الافضل531. وبالرغم من ان هذا المعيار احد ابرز معايير التفاضل في القيم، كما بحثناه سابقاً، الا ان مشكلة الواقعية عدم قدرتها على تبرير هذا المعيار، كما اوضحنا ذلك عند البحث عن شرعية القيم، وحسب ما يقوله «ديزيه» نحن اذا فسرنا تعريف بيري حرفياً، بمعنى ان ايّ شيئ له قيمة عندما يكون موضوعاً لأيّ اهتمام، ايّاً كان، فاننا لن نكون قادرين على استبعاد ان تكون لدينا اهتمامات سالبة، خائنة أو خاطئة، والحقيقة اننا فعلاً لدينا منها، فعلى المرء في دنيا القيم، ان يضيف كيفية ذات صيغة اخلاقية للاهتمام532. رابعاً: تناسق القيم: القيم المتضارية لا يمكن الاعتماد عليها، بينما القيم المتناسقة هي الافضل، يقول عن ذلك د.عطية: ان تحيق اهتمام منعزل بسيط، شيء حسن، لكن تحقيق تنظيم للاهتمامات هو فقط يعتبر شيئاً احسن اخلاقياً533. والواقع ان هذا لا يعتبر معياراً للقيم، بل حافزاً لوضع معيار، لنعرف ايّ قيمة هي الأمثل، وقد سبق في احاديثنا كيف نبني هرم القيم، على اساس ثابت، لكي نضمن شموليتها، وسلم الاولويات فيها. وقلنا: بأن قاعدة التوحيد هي افضل قاعدة لهذا البناء الشامخ.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|