فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف  | بحث
كيف وجدتم اسلوب تفسير من هدى القرآن ؟
ممتاز
جيد
ضعيف
بينات من الآيات
اذهبا إلى فرعون إنه طغى

[ 31] لقد زود ربنا سبحانه ، نبيه موسى بآيتين عظيمتين هما أولا : العصا التي إذا ألقاها صارت حية تسعى ، و إذا أخرج يده من جيبه ، فإذا هي بيضاء للناظرين :

[ و أن ألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ]لان موسى لا زال يحتفظ بخاصيته البشرية ، فهو لا يزال و سيبقى بشرا ، يملك من العواطف و المشاعر ما يملكه الآخرون ، و هذا دليل على أن الأنبياء لا يتحولون بالوحي إلى آلهة ، و أن الوحي ليس من عند أنفسهم ، بل هو مسؤولية الهية الى من يختاره الله .




و كثيرا ما يوحي الله الى أنبيائه ليقولوا هذه الحقيقة للناس صراحة ، كما قال سبحانه : " قل انما انا بشر مثلكم يوحي الي انما الهكم اله واحد " . (1)لذلك ولى موسى فرارا ، و لم يلتفت خلفه لما رأى الجان وهو - كما يقول البعض - الحية الصغيرة المتحركة .

و لعل العصا صارت جانا في تلك المرة ، أما في المرات التالية فقد صارت ثعبانا مبينا .

[ يا موسى اقبل ]

انت الذي يراد لك ان تحمل رسالة الله ، يجب ان تكون مقداما لا تخاف .

[ ولا تخف إنك من الأمنين ]

فهذا هو أول الطريق ، و أمامك صعوبات و مشاكل ، فسكن قلب موسى من هذا النداء الرباني ، و تشجع فاخذ الحية فاذا هي عصا كما كانت .

[ 32] و تواصل النداء الإلهي :

[ اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ]

[ واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون و ملأه إنهم كانوا قوما فاسقين ]و الفسق هو الخروج عن الخط الصحيح نحو الانحراف .

[ 33] هكذا جاءت الرسالة تأمر موسى بمقاومة الانحراف و رأسه فرعون .

[ قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف ان يقتلون ]

و ربما كان موسى يعني ذلك القبطي الذي وكزه فقضى عليه .

[ 34] [ و أخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني أني أخاف أن يكذبون ]و نستفيد من هاتين الآيتين أمران :

1 - ان خوف موسى (ع) لم يكن على نفسه ، فقد باعها برضوان ربه و الجنــة ، و لم يعد من مدين الا ليجاهد الطاغوت ، و لكن خوفه كان على الرسالة ، لأن قتله يعني عدم و صولها إلى بني إسرائيل ، كما تكذيبه يعني فشله في تبليغها أو لا اقل تاثيره عليهم بها .

2 - انه عندما طرح هذه المشاكل أو العقبات التي تعترضه ، لم يكن هدفه التبرير و التملص من تحمل المسؤولية ، و انما البحث عن الحل .

و هكذا ينبغي للإنسان الرسالي حينما يبعث الى مهمة ما ، في أي بلد ان يستعرض العقبات و المشاكل بحثا عن الحل لا التبرير .

[ 35] [ قال سنشد عضدك بأخيك ]

اي سنقوي كيانك بهارون .


[ و نجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما ]

قد يقول البعض ان ذلك نبي الله ، أما نحن فكيف يكون لنا هذا السلطان و نحن لا نملك عصا موسى (ع) ؟!

بلى .. ولكن الله يقول :

[ باياتنا أنتما و من اتبعكما الغالبون ]

ان الذي يلتزم بالرسالة هو الذي ينتصر ، و ما دام المسلمون يتبعون آيات الله فانهم الغالبون ، كما انتصر موسى و هارون ومن اتبعهما من بني اسرائيل ، عندما التزموا برسالة موسى (ع) .

[ 36] [ فلما جاءهم موسى باياتنا بينات ]

لا تقبل التشكيك ، ولا تشبه السحر .

[ قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في ءابائنا الأولين ]ان مشكلة هؤلاء هي النفس البشرية التي تعودت على عادات معينة ، و تريد الاستمرار عليها، و بالتالي ترفض كل جديد لأنه جديد ، وفي مطلع سورة الشعراء نجد اشارة الى هذه الكلمة : " و ما ياتيهم من ذكر من الرحمن محدث الا كانوا عنه معرضين " . (1)

[ 37] و لكن امام هذا الاعراض ماذا كان موقف موسى (ع) ؟


ان الأنبياء و الأولياء ، و كل من يسير في خطهم يتوكلون على الله ، و يرجعون كل شيء إليه ، فلا يقول احدهم أنا ، بل يقول : الله ، فتراه كلما عرضت له مشكلة أو مصيبة قال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . إنا لله وإنا اليه راجعون .

انهم يجعلون الله شاهدا على الواقع .

[ و قال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده و من تكون له عاقبــة الدار ]مادمت أيها الرسالي تعلم بأنك تعمل في سبيل الله ، و تعلم ان هذا السبيل ينتهي بك الى الجنة فما يضرك من حديث الآخرين و من ضغوطهم .

[ إنه لا يفلح الظالمون ]

الفلاح هو الوصول الى الهدف ، و الرسالة هي الطريق اليه ، و الظالم أو الفاسق الذي انحرف عن الرسالة لا يفلح في دنياه لأنه لا يملك الهدى لا في دنياه ولا في آخرته ، لأن عاقبته ستكون النار .

ان الذي يصلح التربة ، و يزرع الأرض - و هذا هو السبيل السليم - يحصد القمح في نهاية الموسم ، أما الذي يعيش على الاحتيال و السرقة - و هذا هو السبيل الخطأ - فانه لا يصل الى هدفه ، فقد لا يقدر على السرقة ، و اذا سرق قد لا يستطيع ان يبيع ما سرقه ، و اذاباعه لن يتوفق بأمواله ، و النتيجة انه بسبب من الأسباب لا يفلح في هذه الحياة .

ان حقوق الآخرين حقائق واقعية ، لا يمكن تجاوزها دون جزاء ، أو إزالتها منخريطة الحياة بمجرد الإدعاء بأنها غير موجودة ، فلا يستطيع الجائع ان ينفي الجوع عن نفسه بمجرد إنكاره له ، و الظالم لا يستطيع ان ينكر حق الفقير في الشبع ، فهو حق ثابت أجريت سنن الحياة على أساسه ، فعقل الفقير و حاجته و تطلعاته ، مضافا الى تركيبة الحياة ،و سنن الله فيــها ســوف تجعل من ظلمه مادة لإدانة الظالم و هلاكه .


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف