فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف  | بحث
كيف وجدتم اسلوب تفسير من هدى القرآن ؟
ممتاز
جيد
ضعيف
بينات من الآيات
[ 71] [ و سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ]

أي جماعات على أساس تجانس أعمالهم يسوقهم ملائكة العذاب .

[ حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ]


(1) بح / ج 74 / ص 188 .

(2) المصدر .


السبعة يدخل كل جماعة من باب ، و قد يكون معنى الابواب العذاب الذي يتضمنه كل قسم من جهنم ، و في الخصال عن الصادق عن جده عليهما السلام :

" ان للنار سبعة ابواب ، باب يدخل منه فرعون و هامان و قارون ، و باب يدخل منه المشركون والكفار ممن لم يؤمن بالله طرفة عين ، و باب يدخل منه بنو أمية هو لهم خاصة وهوباب لظى ، و هو باب سقر و هو باب الهاوية يهوى بهم سبعين خريفا فكلما هوى بهم سبعين خريفا فار بهم فورة قذف بهم في اعلاها سبعين خريفا ، ثم هوى بهم هكذا سبعين خريفا فلا يزالون هكذا أبدا خالدين مخلدين ، و باب يدخل منه مبغضونا و محاربونا و خاذلونا ، و انه لاعظم الابواب و أِشدها حرا " (1)و عندما يدخل كل فريق من بابه يتلقاه خزنة النار بالشماتة و السؤال .

[ و قال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ءايات ربكم ]فمن جهة كان الرسل هم الذين جاؤوا اليكم و هذه نعمة كبيرة ان يبعث الله هاديا في المجتمع ، و من جهة اخرى لم يكونوا غرباء عنكم فلقد كانوا من وسطكم الاجتماعي و يتكلمون بلسانكم ، و من جهة ثالثة كانو يحملون اليكم رسالة ربكم و يهدونكم الى الآية تلو الآية .


[ و ينذرونكم لقاء يومكم هذا ]

و كان هذا كافيا لهدايتكم و خلاصكم من النار لو اتبعتموهم ؟؟


(1) نور الثقلين / ج 4 / ص 504 ، و تجدر الاشارة في هذا الحديث الى ان المذكورين عينات لاصحاب الابواب السبعة و الا فهو يدخل معهم كل من جانسهم في العمل ، بل ان السبعة قد تكون للتخصيص و الكثرة و ليس للحصر .


و لم يكن يملك اصحاب النار ردا على كل هذه الحجج البالغة الا بأن .

[ قالوا بلى ]

اذن فالهداية ممكنة لو ارادوها فعلا .

[ و لكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ]

ان باستطاعة الانسان ان يكفر بالله ، باختياره و لكن بعدئذ يغلق عليه باب الاختيار ، و يحاول البعض تبرير كفره بانه سوف يتوب في المستقبل كعمر بن سعد الذي اختار الكفر بقتل الامام الحسين (ع) ثم انشد :

يقولون ان الله خالق جنة و نار و تعذيب و غل يدينفإن صدقوا فيما يقولون إنني أتوب الى الرحمن من سنتينو هذا من أخطر الاشياء على البشر ، حين يختار الانحراف ثم يمني نفسه بالتوبة في المستقبل دون ان يدرك سنة الله في الحياة ، و هي ان الانسان قد يختار طريقا بحريته و يتخذ قرارا بكامل ارادته ، و لكنه بعد ذلك لا يتمكن من العودة عنه و الخروج من المأزق الذي يقع فيه بسبب ذلك الاختيار السيء . كالذي يقرر ان يلقي بنفسه من جبل شاهق ثم يجد نفسه عاجزا عن الصعود مرة أخرى ، فالسقوط يكون باختياره و لكنه لا يتمكن من العروج أنى حاول .

و القرآن يعبر عن هذه الفكرة بصيغ عديدة في آياته ، فتارة يسميه بالختم على القلوب و الاسماع " ختم الله على قلوبهم و على سمعهم " (1) و تارة يسميه بذهاب النور " ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمات لا يبصرون " (2) ، و اخرى يسميه(1) البقرة / 7 .

(2) البقرة / 17 .


باستحقاق الضلالة " و منهم من حقت عليه الضلالة " (!) أو باستحقاق كلمة الله " كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا انهم لا يؤمنون " (2) و يعبر القرآن ايضا عن ذلك يجعل الغشاوة على الابصار " و جعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله" (3) أو بجعل الاكنة على القلوب " و جعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه " (4) و هذه التعابير و تلك كلها تسير الى سلب الله الانسان حينما يصر على الانحراف و الضلال ارادة الهدى فيجد نفسه مجبولا على الفساد و الاستمرار في طريق الباطل .

ان الاختيار ، و الارادة ، و الحرية من اكبر نعم الله على الانسان ، و اذا سلبه ربه هذه النعمة فبماذا يختار الحق على الباطل ، و المستقبل الأخروي على الحاضر الدنيوي ؟

و ان استحقاق الكافرين لكلمة العذاب هو بكفرانهم بنعمة الحرية و تضييعهم فرصة الاختيار على أنفسهم .

[ 72] و لانهم حقت عليهم كلمة العذاب بانحرافهم في الدنيا ، تحقق ذلك العذاب بواقعه المحسوس في الآخرة .

[ قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ]

بتمحضكم في الكفر ، و على الانسان ان لا يغتر بأعماله أبدا لأنه قد يستطيع ان يغلق عن نفسه باب الزنى من النار ، و لكنه يدخلها من باب الاستسلام للطاغوت و التقاعس عن الجهاد ، فيجيب علينا اذن لكي نزحزح عن النار ان نغلق كل ابوابها(1) النحل / 36 .

(2) يونس / 33 .

(3) الجاثية / 23 .

(4) الانعام / 25 .


عن أنفسنا ، و ذلك بعــمل الصالحات و ترك الذنوب جميعا التي هي مفاتيح ابواب جهنم ، و أهم تلك الابواب و اخطرها باب المتكبرين الذي يخصصه القرآن هنا بالذكر و الذم من بينها كلها .

[ فبئس مثوى المتكبرين ]

[ 73] و في الجانب الآخر يحدثنا ربنا عن مصير المؤمنين المتقين الذين يزفون بالترحيب و التحية الى قصورهم ، و حورهم ، و عموم جزائهم في الجنة .

[ و سيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها و فتحت أبوابها ]الثمانية كما في الروايات (1) ، ففي كتاب الخصال عن الامام الصادق (ع) عن جده قال :

" أن للجنة ثمانية ابواب ، باب يدخل منه النبيون و الصديقون ، و باب يدخل منه الشهداء و الصالحون ، و خمسة ابواب تدخل منها شيعتنا و محبونا ، و باب يدخل منه ساير المسلمين ممن يشهد ان لا اله الا الله و لم يكن في قلبه مثقال ذرة من بغضنا أهل البيت " (2)

و عنه (ع) قال : قال رسول الله (ص) :

" للجنة باب يقال له باب المجاهدين يمضون اليه ، فاذا هو مفتوح و هم متقلدون بسيوفهم ، و الجمع في الموقف و الملائكة تزجر ، فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلا و فقرا في معيشته و محقا في دينه ، ان الله اعز أمتي بسنابك خيلها و مراكز(1) راجع التعليق الذي مر في الرواية المتقدمة عن النار .

(2) نور الثقلين / ج 4 / ص 505 .


رماحها " (1)

و قال الامام الباقر (ع) :

[ أحسنوا الظن بالله ، و اعلموا ان للجنة ثمانية أبواب عرض كل باب منها مسيرة أربعمائة سنة " (2)و اذا دخل المؤمنون الجنة استقبلهم الملائكة الموكلون بها ، يلقون اليهم تحية ربهم عز وجل .

[ و قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ]ولا يطيب الانسان و بالتالي يدخل الجنة الا اذا اجتنب الذنوب و المعاصي في الدنيا ، فزكى نفسه بذلك و بعمل الصالحات ، لان الجنة دار الطيبين فقط .

[ 74] و حيث يعتبر المؤمنون دخول الجنة من أكبر نعم الله عليهم شكروه على ذلك .

[ و قالوا الحمد لله الذي صدقنا و عده و أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ]قالوا : المراد بالارض الجنة ، و الله العالم .

[ فنعم أجر العاملين ]

و هذه النهاية الحكيمة للآية تؤكد حقيقة هامة جدا ، و هي ان التقوى و ان(1) المصدر .


كانت درع الانسان و حصنه الذي يقيه العذاب ، الا انها لا تكفي و حدها من دون العمل ، الذي لا ينفك ان يكون جزاءا أساسيا منها .

ان الدرع و حدها لا تكفي المقاتل الذي يخوض المعركة ، بل لابد له من سلاح يمارس به عملية الهجوم و الدفاع ، و هكذا بالنسبة للمؤمن فهو يتحصن بالتقوى عن ارتكاب الموبقات ، و لكنه من جهة اخرى لا يستغني عن العمل لكي يقرب نفسه من الجنة و يبني مستقبله الأبدي .

و لان الجنة لا تحصل الا بالعمل الصالح بعد التقوى ، و لان عمر الانسان قصير و محدود فلابد ان يزيد من تقواه و من عمله ، و ان يستفيد قدر الامكان من فرصة العمر القصيرة ، في سبيل رضى الله و شراء الجنة ، و ذلك بان يجعل ذلك هدفا امامه يسخر كل جهوده لبلوغه.

و عن جابر بن عبد الله الانصاري قال : جاء اعرابي الى رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله هل للجنة من ثمن ؟

قال : " نعم "

قال : وما ثمنها ؟

قال : " لا اله الا الله يقولها العبد الصالح مخلصا بها "قال : وما اخلاصها ؟

قال : " العمل بما بعثت به في حقه " (1)


(1) امالي ابن الشيخ الطوسي / ص 21 .


و قال رسول الله (ص) : " من قال لا اله الا الله غرســت له شجــرة فــي الجنة " . و حينما عرج به (ص) الى السماء رأى الملائكة يبنون القصور و ربما امسكوا ( عن العمل و البناء ) ، فقال : مالكم ربما بنيتم و ربما امسكتم ؟!

فقالوا : لا نبني حتى تأتينا النفقة .

فقال : و ما نفقتكم ؟!

فقالوا : قول المؤمن سبحان الله ، و الحمــد لله ، و لا اله الا الله ، و الله اكبر . (1)و مما يروى من سيرة الامام زين العابدين (ع) انه خرج ذات مرة و قد تطيب و لبس الجديد ، فرآه بعض اصحابه فقال له : الى اين يا ابن رسول الله ؟

فقال : اذهب لأخطب .

ثم افترقا بعدئذ . و حينما جاء الصحابي للمسجد رأى الامام واقفا للصلاة ، فسأله مستغربا : الم تقل انك ذاهب لتخطب ؟!

فقال (ع) : بلى اخطب الحور العين من ربها (2)

اذن فالذي يقيم الصلاة ، و الذي يجاهد في سبيل الله ، و الذي يتصدى للمشاريع الاسلامية و .. و .. كلهم يبني مستقبله الأبدي بهذه الأعمال .

[ 75] و صورة ثالثة من يوم القيامة بالاضافة الى دخول اولئك النار و هؤلاء الجنة ، هناك منظر الملائكة الذين يحفون بعرش القدرة و العزة و يسبحون بحمد الله .


(1) (2) النصوص منقولة بمضامينها .


[ و ترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ]و هذا المنظر من أعظم تجليات قدرة الله و عظمته ، ثم يشير القرآن الى انتهاء المحكمة الالهية العادلة باعتمادها مقياس الحق .

[ و قضي بينهم بالحق ]

و يبقى اهل الجنة يتذكرون نعم الله عليهم ومن أعظمها نعمة الهداية في الدنيا ، و النجاة من النار في الآخرة فيحمدون ربهم ، و من جانب آخر يتجلى عدل الله لاصحاب النار فيدخلونها و هم معترفون بمسؤوليتهم عن هذا المصير و بان حكم الله فيهم حق و صدق ، فيحمدونربهم .

[ وقيل الحمد لله رب العالمين ] .


فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | للخلف