هما ذهب الإنسان وابتعد عن صخب الحياة وازدحامها بالافكار والآراء والاذواق، فانه لن يكون في غنىً عن العقيدة والإيمان، لأنها بكل بساطة تشكل معالم شخصيته وتبين نمط تفكيره وبالنتيجة تحدد هويته ومكانته بين أقرانه في المجتمع، ولا أخال أن أحداً سواءً في العراق أو أي بلد اسلامي وغير اسلامي لايهتم بما يقال عنه، ولا يعير أهمية لمكانته الاجتماعية.
وبما أنّ العقيدة والإيمان قضية حاسمة وفاصلة؛ إما الى الحق أو الى الباطل، فان مسؤولية الاختيار تكون بعهدة الانسان نفسه، وكما جاء في الحديث الشريف – ما مضمونه- (من ترك الحق لا ينفعه الباطل)، فكل من قال: (لا عليّ بهذا ولا ذاك)، نجد أنه من أول المتضررين من الباطل، وهي من السنن الإلهية التي حملها الينا الاسلام والقرآن الكريم، ومن أجل الوصول الى الطريق الصحيح، منحنا الله سبحانه وتعالى نعمة العقل لنميّز بين العقائد الحقّة والأخرى الباطلة، وذلك لنحقق طموحاتنا وأهدافنا في الحياة الكريمة، وألا نضع خطوة نندم عليها ويكون العودة والتصحيح صعباً وشاقاً ومكلفاً.
من هنا يأتي التوجه المكثّف لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي – دام ظله- للتذكير دائماً بوجود الطريق الصحيح، بل والأمل بالعودة والتصحيح والبناء الجديد، وعدم الخوض في التوجهات والأفكار التي لن تكون في مصلحة الانسان حاضراً ومستقبلاً، وعلى هذا الطريق قدم سماحته لمكتبة الثقافة الاسلامية مؤلفات قيمة في مقدمتها (الفكر الاسلامي – مواجهة حضارية) و (العرفان الاسلامي) و (مبادئ الحكمة)، الى جانب سلسلة طويلة من المحاضرات المشبعة بالفكر والثقافة الاسلامية الأصيلة، وللحاجة الماسّة للساحة الاسلامية الى مزيد من تسليط الضوء على المسألة العقائدية، جاءت الاستجابة من مكتب سماحة المرجع المدرسي في البحرين في تجميع مجموعة جديدة من أحاديث سماحة المرجع المدرسي في القضايا العقائدية، فضلاً عن فصل من كتابه (الوجيز في الفقه الاسلامي – أصول العقائد وأحكام التقليد والبلوغ)، ومن هذه التشكيلة الجديدة خرج الى النور كتاب (البيان الاسلامي – أحاديث في العقيدة) رجاء تعميم الفائدة وتقديم وتسهيل مهمة وصول القراء الكرام الى منابع العقيدة الصحيحة.
ضمّ الكتاب فصلين: الأول تحت عنوان: (أصول العقيدة في الكتاب والسنّة)، والفصل الثاني تحت عنوان: (أحاديث في العقيدة).
في الفصل الأول، جاء تأكيد سماحة المرجع المدرسي على أرجحية خيار الوحي في اختيار سبيل العقيدة، في مقابل الخيارات الأخرى المطروحة ومنها خيار الفلسفة الذي مايزال يجتر آراء علماء الأغريق الذين بذلوا جهدهم قبل آلاف السنين لمعرفة الخالق وأسرار الوجود، لكن أفكارهم واستنتاجاتهم لم تصمد أمام الحقائق التي توصل اليها الانسان بفضل الاسلام، وباتت مجرد أفكار وآراء لا ترقى الى مستوى العقيدة الراسخة والمتأصلة، لأنها تبقي الانسان – بشكل أو بآخر- في زنزانة جهله وحدود وجوده المادي، كما يتحدى الوحي منهج التصوف الذي ذهب بالانسان الى الاتجاه المناقض للمنهج الأول، فعدّه رمز الشر والخطيئة، لذا يعتقد أنصار هذا المنهج بـ(الصفاء الروحي) بعيداً عن دور العقل والفطرة في الحياة، ومن أولى معالمه اللاأبالية والانطواء والابتعاد عن الواقع، وهو المنهج الذي طالما شجع عليه الحكام على مدى القرون الماضية.
من هنا جاءت أقسام الحديث في هذا الفصل عن أصول الدين الخمسة على ضوء القرآن الكريم والسنة الشريفة.
أما في الفصل الثاني، (أحاديث في العقيدة)، فان سماحة المرجع المدرسي، فسح المجال للانسان بأن يكتشف ويختار الطريق الصحيح الى العقيدة الصحيحة، وقد ذكر سماحته بامتلاك الانسان نعمة العقل – كما أسلفنا- لذا حذره من مغبة خسران هذه النعمة بالانجرار وراء العواطف والأحاسيس التي من شأنها التبدّل والتغيّر لظروف مختلفة، ولسماحته أحاديث مختلفة في هذا الجانب وضمن محاور متعددة، وجاء في أول حديث في الفصل الثاني: (أوصي نفسي وإخواني بضرورة أن تكون معتقداتنا قائمة على أسس متينة من العقل والحكمة والتفكير الصحيح، لكي تكون مسيرتنا سليمة في الحياة، ولنصل الى نهاية محمودة لا نندم عليها أبداً.
|