المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
ما هو تقييمكم للمقالة ؟
ممتاز
جيد
ضعيف
نظرة على مناهج الاصلاح في القرآن الكريم
دراسة ألقاها العلامة السيد حسين المدرسي في المؤتمر الرابع لـ(القرآن الكريم وتحديات العصر) والذي كان قد انعقد في رمضان المنصرم في الكويت تحت عنوان (المجتمع الإسلامي وضرورات الاصلاح):
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة قال الله تعالى (لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس).
وقال أيضا عن لسان النبي شعيب حيث قال لقومه (يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد ان أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ان أريد الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب).
الاصلاح كلمة جميلة تستهوي القلوب وتتطلع اليها النفوس وهي تدعو الناس إلى تحقيقها والعيش في ظلها ولكن تطبيقها على الواقع العملي بحاجة إلى إرادة وتصميم وعمل دوؤب ومتواصل وجهاد مستمر حتى يدخل الاصلاح في كل بيت ويصلح كل فرد.
ولكن السؤال: ماهي حقيقة الاصلاح؟.. وما هي موارد تحقيقه واستخداماته؟.. ومن يقوم بالإصلاح؟ وما هي صلاحياته في القيام بهذه المهمة الخطيرة؟.. وما هي رؤية القرآن الحكيم عن الاصلاح والمصلحين؟ وما هي دساتيره في الإصلاح؟
جاءت الآيات القرآنية لتؤكد على ان الصالح ما كان موافقا مع فطرة الإنسان ومنسجما مع وجدانه وضميره وعقله والفاسد ما كان تماما على عكس ذلك حيث تقول الآية المباركة (فطرة الله التي فطر الناس عليها) فكل ما كان مخالفا لهذه الفطرة فهو بعينه انحراف وفساد، ومن هنا تركز الآيات القرآنية على الإصلاح بجميع أبعاده ومشتقاته وعلى جميع الأصعدة الفردية والإجتماعية وفي مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية، وهل يوجد هناك كتاب تحدث عن الاصلاح كما تحدث عنه القرآن الكريم؟ وهل للقرآن وظيفة غير الهداية والإصلاح؟..
الإصلاح الفردي
ولكي تتضح أبعاد هذه الحقيقة لابد من التطرق في جميع المجالات والأصعدة التي تحدث عنها القرآن الكريم في نطاق الهداية والإصلاح، فعلى صعيد (الإصلاح الفردي) تحدث القرآن عن ذلك بكل تفصيل لأن هدف الرسالات الإلهية هو اصلاح الإنسان وتربية هذا المخلوق الذي شملته العناية الإلهية منذ خلقته (ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر ورزقناه من الطيبات وفضلناه على كثير ممن خلقنا تفضيلا) فليس غريبا ان يبدأ الاصلاح بخصوص الإنسان كفرد وهذه ميزة الرسالات الإلهية عن بقية المناهج البشرية، فالإنسان له قيمة أساسية بنظر السماء ومن أجله خلق الله الكون وسخر له الشمس والقمر وسخر له كل شيء.
على عكس المناهج البشرية الماركسية منها والرأسمالية وغيرها والتي تسعى جاهدة في استغلال الإنسان لأغراضها الدنيئة بجعله وسيلة لتقدمها المادي أو لتطورها الآلي والتكنولوجي، ولكن القرآن بمنهجه السماوي أعطى للإنسان بحد ذاته قيمة معنوية عالية حيث جعله الله خليفته الله في الأرض (وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة) [البقرة 30].
ومن أجله أمر الله ملائكته بالمحافظة عليه (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله). ومن أجله أطلق الله له العنان ان يفعل ما يشاء في الأرض لرفاهيته وسعادته ولكن حذره من ان يستغل هذه الإمكانيات في الفاسد والفساد (ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها وأدعوه خوفا وطمعا ان رحمت الله قريب من المحسنين) [الأعراف 56].
وعلى نطاق الاصلاح الفردي جاهد القرآن الكريم على تحرير أفكاره وعقائده من خرافات الجاهلية وبراثن الوثنية ومن عبادة الأصنام والأشخاص إلى عبادة الله الواحد القهار (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ان أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل: 36].
وفي سبيل ان يعيش الإنسان في رفاهية وسعادة روحية ونفسية مطمئنة أعطى القرآن سلسلة من الدساتير العبادية من الصلاة والصيام للارتباط بخالق الكون بواسطة الدعاء والتفرغ ليملأ الجانب الروحي بشحنات من الأنوار القدسية المباركة لتكون بمثابة غذاء معنوي في كل يوم خمس مرات على الأقل (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل..).
وحتى لا يكون سلوك الإنسان كبقية الحيوانات والأنعام وجه الكتاب العزيز مجموعة من الأحكام والقوانين ليصلح سلوكه وفق الإطار الإنساني الكامل (ان الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [النحل 90]، (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ان الله يعلم ما تفعلون) [النحل 91].
وبهذا المنهج القرآني على نطاق الاصلاح لم يتغافل الكتاب المجيد الجانب الجسدي المادي ليوجههم على أكل الطيبات واجتناب الخبائث، مثلما لم يتغافل عن الجانب الروحي والمعنوي في الإنسان حيث قال عز من قائل (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا وأشكروا نعمة الله ان كنتم إياه تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) [النحل 114-115].
والإصلاح الفردي وفق النظرة القرآنية لا يمكن ان يتحقق الا إذا جاهد الفرد على القيام بالأمور التالية:
1- تصحيح المعتقدات الفكرية، التي عادة ما يقتبسها الأفراد من مجتمعاتهم من دون التدبر والتأمل في صحتها أو سقمها، وإذا سئل ما هذه الأفكار (قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون) ولكي يتم الإصلاح لابد من مراجعة هذه الأفكار من أي مصدر إقتبسها، هل من مصدر سماوي حتى يسير على وفقها ام من مصدر بشري جائز الخطأ والإشتباه.
2- إزالة الترسبات النفسية، والأخلاقيات الدنيئة من الأحقاد والضغائن والحسد والكبر والحرص.
3- إعطاء حقوق الآخرين وإصلاح أخطائه السابقة مع الناس.
4- بناء الفكر على رؤى عقائدية سماوية إبتداء من الإيمان بوحدانية الله عزوجل ومرورا بالإيمان بالنبوة والإمامة وإنتهاء بالمعاد والحساب في يوم القيامة كأصول دينية، وأما الفروع الدينية فلابد من أخذ الأحكام والدساتير اليومية من الكتب السماوية والسنة النبوية وآثار أهل بيت الرسول الأطهار في تسيير حياته وفق دساتير الله عزوجل.
5- بناء شخصية روحية من خلال إنشاء علاقة روحية مع الله عزوجل ومع أنبيائه ورسله ويستطيع بناء هذه الروحية بالتواصل في الأدعية والمناجاة مع خالقه العظيم وبأداء الفرائض والواجبات الشرعية.
وبهذه الأمور الخمسة يستطيع الإنسان إصلاح نفسه والى هذه الحقيقة جاءت الآيات القرآنية لتركز على الإصلاح أولا (فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [الأنعام، 48]
(من عمل منكم السوء بجاهلة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) [الأنعام، 54]
(والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين) [الأعراف، 170].
(إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين) [النساء، 146].
(فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [الأعراف 35].
فإذا قام الفرد بهذه الإصلاحات الذاتية والتغيرات الأساسية نال الأجر العظيم من الله الكريم ورافقته السعادة الأبدية فلا خوف عليه ولا يحزنه حيث يكفر الله عن سيئاته ويصلح باله كما تشير إليه الآية المباركة (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) [سورة محمد: الآية 2].
وتشمله العناية الإلهية بإستمرار (سيهديهم ويصلح بالهم) [سورة محمد: الآية 5]
هذه رؤية القرآن الحكيم حول الإصلاح الفردي.
الإصلاح الاجتماعي
وأما منهج القرآن في الاصلاح الاجتماعي، فقد ركز القرآن الحكيم على الاحترام المتبادل بين المسلمين واحترام حقوق الآخرين وعدم الاعتداء عليهم وجعلهم في مصاف واحد من الاخوة الإسلامية (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) [الحجرات 10] وأكد على ضرورة الإصلاح في أي وقت حاول الشيطان ان ينزغ بينهم حيث أمر المجتمع بضرورة القيام بدور الاصلاح فورا وعدم القفرج على المعارك بين المسلمين بل أمرهم القيام بدور الاصلاح ولو بالقوة فيما إذا حاولت طائفة عدم التقيد بأوامر الله (إن طائفتان من المؤمنين إقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) [الحجرات 9].
ومن أجل المحافظة على سلامة المجتمع الإسلامي من الفساد والمفسدين أمر القرآن عبر إرشادات لقمان الحكيم بالوقوف أمامهم والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر وأصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) [لقمان -17].
والأمة الإسلامية إنما أضحت خير أمة حينما قامت بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).
ولكي يبقى المجتمع محافظا على سلامته وصلاحه أمر القرآن بضرورة العناية بالأيتام وتربيتهم حتى لا يقعوا فريسة المجرمين (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) [البقرة 220].
ومن أجل المحافظة على تماسك المجتمع وصلاحه دعى القرآن على ضرورة الإصلاح في العلاقات الزوجية بمجرد ان يبرز هناك خلاف قد يؤدي إلى الإنفصام والشقاق (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ان الله كان عليما خبيرا) [النساء 35].
وفي محاولة لإستمرارية صلاح المجتمع عبر الأجيال القادمة أمر الله عزوجل في كتابه الكريم ان يتبادل المرء المحبة والإحسان بينه وبين والديه حيث يديم الله صلاح ذريته عبر الأزمان حيث تبين الآيات التالية مدى الأتعاب والمصاعب التي تحملها الأهل (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمة كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ان أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) [الأحقاف 15].
ليس هذا وحسب بل ذهب القرآن الحكيم في مجال إصلاح المجتمع على أن يكون التشاور بين الأمة والقيادة تدور ضمن الإطار الإصلاحي حيث نفى صحة وخيرية أي نوع من التشاور الا إذا كان ضمن إحدى هذه الأمور الثلاث: (لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) فالتشاور مع القيادة لرفع حاجة من حاجات أحد أفراد المجتمع وإستعطاء له وهو (الأمر بالصدقة) أو اقتراح عمل خير لصلاح الأمة وهو (الأمر بالمعروف) أو الطلب من القيادة للتدخل لحل خلاف بين طائفتين مختلفتين في المجتمع.
ولضمان سلامة المجتمع وبقائه على صلاحه أمر القرآن المجيد كل مؤمن ان يتحمل هذين المسؤوليتين:
1- المراقبة والمحافظة على قوانين السماء والعمل بإخلاص لأجلها حيث قال عز من قائل (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط).
2- التعاون على البر والتقوى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
وبما ان هناك تخوف مستمر قائم من العناصر الفاسدة ان تدخل في المجتمع الإسلامي لنشر الفساد جاء القرآن العزيز بسلسلة من الأوامر الصارمة ضد المفسدين في محاولة لإستئصال هذه الجراثيم الأخلاقية كليا من المجتمع تماما مثلما يفعل الأطباء في استئصال مرض السرطان -مثلا- من البدن المصاب (والسارق والسارقة فإقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله) [المائدة 38].
(الزانية والزاني فإجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) [النور 2]. هذه الدساتير الصارمة ما هي الا من أجل الحد من الفساد والإفساد في المجتمع الإسلامي.
وهناك مجموعة كبيرة من القوانين الإسلامية والآيات القرآنية في إصلاح المجتمع الإسلامي والمحافظة على صلاحه لا مجال لذكرها في هذه المقالة المختصرة.
ولكن السؤال: ما هي نظرة القرآن إلى المجتمعات البشرية الأخرى، وما هي الطرق والأساليب لإصلاحها؟.
في الحقيقة لو تصفحنا الكتاب العزيز لوجدنا ان المجتمعات البشرية على طول التاريخ كانت مصابة بإحدى الإنحرافات التالية:
[1] الإنحراف الفكري والعقائدي:
حيث سقطوا في عبادة الأوثان والأصنام والطواغيت وهي بمثابة انحراف أغلب المجتمعات البشرية، وان أغلب الأنبياء والرسل كانت دعواتهم تتركز على نبذ عبادة الأوثان والأشخاص والتوجه إلى عبادة الله عزوجل كالنبي نوح وهود وصالح حيث يتحدث القرآن عن ذلك قائلا (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) [هود 25-26].
(وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره ان أنتم إلا مفترون) [هود 50] (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب) [هود 61].
ومع الأسف لم يكن جواب هذه المجتمعات لرسلها الا الإصرار على الضلالة والانحراف حيث قالوا للنبي نوح عليه السلام (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) فما كان من الله عزوجل إلا ان أغرقهم عن بكرة أبيهم.
وبنفس الأسلوب والجواب رد قوم هود على نبيهم قائلين (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين) [هود، 53] فما كان من الله القدير إلا ان عذبهم بعذاب غليظ. وعلى نفس الطريقة أيضا تعامل قوم ثمود مع نبيهم صالح قائلين له (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا ان نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) [هود 62].
وبهذا التعنت الشديد من قبل قوم صالح والإصرار على بقائهم على ضلالتهم جائهم العذاب الأليم (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين) [هود 67].
[2] الانحراف الأخلاقي:
وهناك بعض المجتمعات البشرية كانت منغمسة في الفساد والانحراف الأخلاقي كقوم لوط حيث كانوا يمارسون اللواط العلني من دون أي رادع، يقول القرآن عنهم (وجاء قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد * قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد) [هود 78-79].
وأمام هذه الأدمغة المنحرفة والمنغمسة في الرذيلة لم يكن بد إلا ان يعذبهم الله (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [هود 82-83].
[3] الانحراف الاقتصادي:
وهذا الانحراف المالي وهو أكل أموال الناس بالباطل عن طريق البخس والغش وتنقيص المكيال والميزان، ليس فقط يقلب الموازين الاقتصادية في المجتمع ويربك التعامل التجاري بل وأيضا يمهد الطريق إلى الفساد والظلم حيث يسبب الفقر والفاقة في المجتمع يوما بعد يوم وقد حرم الله عزوجل ممارسة هذا الانحراف المالي على المسلمين وتوعد كل من يتعامل بهذه الطريقة المنحرفة بالويل والثبور كما يتحدث القرآن عن ذلك قائلا (ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * الا يظن أولئك انهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين * كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين) [المطففين 1-10].
ولبيان الغضب الإلهي على مثل هذه التعاملات المنحرفة ضرب الله في القرآن العزيز قوم شعيب مثالا في العقاب الأليم على تصرفاتهم المالية المنحرفة كما جاء في سورة المطففين 84 -88.
هذه الانحرافات الفكرية والعقائدية والاقتصادية والأخلاقية في المجتمعات البشرية الغابرة التي ذكرها القرآن ليست مقتصرة على تلك المجتمعات الغابرة بل هي مع الأسف موجودة في العصر الراهن.
وان المنهج الصحيح لإزالة هذه الانحرافات قد بينتها الآيات القرآنية السابقة الذكر على لسان أنبياء الله العظام وهي تتلخص في النقاط التالية:
أولا: نبذ عبادة الطواغيت والأصنام.
ثانيا: التوجه إلى عبادة الله الواحد القهار.
ثالثا: إزالة المفاسد الأخلاقية وإنتهاج طريق ومسلك الصلاح والخير لتنعم البشرية بالسعادة والرفاه.
رابعا: إقامة موازين القسط والعدل في التعاملات التجارية وإجتناب التنقيص في المكايل والموازين.
خامسا: الأخذ بدساتير السماء في جميع المجالات.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه على بساط البحث: هل هذه الدساتير والتوجهات كافية لإصلاح المجتمع من الانحراف والمفاسد؟
من دون تردد يكون الجواب بالنفي حيث توجيه المجتمعات بمجموعة من الدساتير والقوانين من دون تنصيب رجال ربانيين يقومون بتنفيذ هذه الدساتير على المجتمع يبقى حبر على ورق.
ولذا نحن نشاهد بالرغم من وجود أعظم كتاب سماوي بين الناس الا وهو القرآن المجيد لم يستطع ليس فقط في توقيف المفاسد عند حدها بل نشاهد إزديادها يوما بعد يوم حتى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.
فما المخرج؟..
المخرج هو لابد من وجود رجال ربانيين في المجتمع تكون لهم القوة والسلطة يقومون بتنفيذ هذه الدساتير بحذافيرها في الأمة، وهنا يتضح أهمية دور:
[4] الإصلاح السياسي:
وهو قائم على ركيزتين أساسيتين:
1- إزالة الطواغيت والجبابرة من على وجه الأرض، وهذه أول خطوة في طريق العبادة لله عزوجل حيث يقول تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) بالتوجيهات الإلهية والكتب السماوية (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم).
2- إطاعة القادة الربانيين الذين نصبهم الله عزوجل للأمة حيث يقول عزوجل (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وفي بيان لتوضيح المقصود من أولي الأمر يقول القرآن الحكيم (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) وبهذا التنصيب الإلهي بعد تنزيل الكتاب الحكيم ثم كمال الدين وإتمام النعمة على البشرية من جانب السماء (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).
يبقى هنا واجب المجتمعات البشرية التي تتطلع إلى الخلاص من براثن المفاسد والإنحرافات أن تلتزم بإطاعة القيادة الربانية في تطبيق الشريعة السماوية (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم).
(ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم).
(منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون).
وفي الختام، ولكي نعرف رؤية القرآن الحكيم في مجال الإصلاح على وجه الإيجاز نقول: ان الإصلاح يرتكز على أمرين أساسيين:
الأول: على وجود قوانين ودساتير دقيقة وصائبة وشاملة لجميع نواحي الحياة البشرية بحيث يلبي جميع حاجات الإنسان الفردية والاجتماعية والروحية والمادية.
ولا يوجد مثل هذا إلا في الكتاب المجيد ودساتير الشريعة الإسلامية.
الثاني: وجود شخصيات ربانية لها القدرة والسلطة تستطيع تطبيق الدساتير بحذافيرها من دون المساومة عليها أو الرضوخ للعلاقات الشخصية.
وبهذين الأمرين يتم الإصلاح في المجتمع وفق الرؤية القرآن الصائبة ومن دونهما فكل إصلاح يراد تحقيقه في المجتمع فهو إصلاح ناقص أبتر إن لم يكن في بعض الحالات يفسد أكثر مما يصلح، فالإصلاحات الاجتماعية التي تنادي بها بعض المؤسسات أو الأحزاب السياسية ما هي الا إصلاحات جزئية تشمل جانبا معينا من جوانب المجتمع على أحسن فرضها إن تحقق هناك إصلاح وما فائدة هذه الإصلاحات إن لم تكن شاملة ونحن إذا اردنا ان نحقق الإصلاحات القرآنية في المجتمع لابد وأن نحقق:
تطبيق القرآن بشكل كامل. وبقيادة ربانية، وذلك لأن الله عزوجل لم ينزل الكتب المقدسة من السماء من دون بعث الرسول والأنبياء كقدوات رسالية حية.
وهكذا أيضا لا يمكن تطبيق القرآن الحكيم بشكله الصحيح الا بالرسول الأكرم وبآله الطاهرين كنماذج عملية.
وقد بشر الله الأمة الإسلامية والمجتمعات البشرية بتحقيق هذا الإصلاح الكامل الشامل ببعث الإمام المهدي المنتظر لتحقيق العدالة على ربوع الكرة الأرضية ليملأها قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا وهذا ما نأمله عن قريب إن شاء الله حيث وعدنا الله بذلك في كتابه الحكيم (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون).
وإن كان البعض يتصوره بعيدا، لكن الأمر المتعلق بالمشيئة الإلهية قد يتحقق بين لحظة وأخرى (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا).

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات